محاكمة الضحية للجلاد تحت مطر فجائعي
* الدستور الأردنيــة،،
مهما جرّد الإنسان نفسه من هويته المكانية وكيانيته ، فهو في المطاف الأخير ، حصيلة مكان ودين وسياسة ، مهما جرى عليه من استلحاق وتهميش. غير أنه ثمة فرق بين مثقف مظلوم ومثقف موهوم. والحديث هنا بالمناسبة ، عن المثقف الذي يُنتج أزماته وينشد مثالية مقلوبة يفصَلها له من استلحقه ، فالسياسي بحاجة إلى جمهور والمثقف كذلك بحاجة إلى جمهور ، والسياسي بحاجة إلى المثقف والمثقف بحاجة إلى السياسي ، وقلّما تجد مثقفاً حقيقياً يقف على الحياد بين السلطة والجمهور. وإنما ابتدأت الحديث على هذا النحو ، لأسوّغ مدخلي إلى رواية هدية حسين (مطر الله) ، وهي رواية تتخذ هجاء السلطة الغائبة والذات الحاكمة المغدورة موضوعا لها ، حيث تدخل شهرزاد في معركة وجود وبقاء مع شهريار ، وتمارس على حاكمها سلطة التّأثيم والعتاب الجارح ، وتقوم برتق أيديولوجيته الممزقة دون الإجابة الصريحة والعقلانية عن السؤال الحقيقي غير المزوَّر عن واقعة انقضت بخيرها وشرها. المطر الذي دخل في مسمّى الرواية هو مطر حامضي ، فجائعي ، لا تحتمل سياقاته التي هطلت على سردياته داخل الرواية أي معنى للإرواء أو الإخصاب أو الإنماء ، بل يهطل جحيماً كبريتياً يُهلك الحرث والنسل... مطر الله هو ذات عربية حاكمة تشربت روح الدمار والاستبداد والفتك المجاني من وجهة نظر الرواية التي صدرت في 114 صفحة. ماتقوله الرواية هنا ليس بدافع إرضاء الضمير بقدر ما هو لإشفاء الغليل.
والانتقام من الأموات ظاهرة واضحة في الشخصية والأدب العراقي ، فالتاريخ لم ينس صورة ذلك الجندي الذي رفع رأس الزعيم (عبد الكريم قاسم) وبصق على وجهه وهو قتيل ، مأخوذاً بحالة العنف والحقد والانفعال التي سادت لحظة إعدامه في مبنى التلفزيون. والتجربة ذاتها تتكرر في هذه الرواية على نحو آخر. مشكلة الرواية الرئيسة في أنها سيّرت شراع أحداثها تجاه حوادث ربما هي واقعية: ولكنها حافلة بالظن والاختلاف فضلاً عن انتقائيتها.
الآن وبعد وفاة الشخصية الرئيسة التي اتخذت لها الروائية اسم ( السيد مهران) ، تقوم الروائية بمحاكمتها عبر ثلاثة ضمائر اتكأت عليها في السرد هي : ضمير المخاطب ، ضمير الغائب ، ضمير المتكلم. وتلعب هذه الضمائر دوراً في تحويل الإدراك الموضوعي إلى منظور روائي يتنوّع فيه إدراك الواقعة بين المرآة الداخلية للسيد مهران ، حيث يفيض اللا وعي والذاكرة بتحريض ضمير السيد مهران على الاعتراف بنزواته وتسلطه واستبداده بشقيقه ( صابر ) وبالنساء وبخاصة ( سعدية ) وكأنه في حلم فرويدي يستجلي أبعاد وأعماق سخصيته الطافحة بالشذوذ السلوكي والنفسي. ولا نستطيع أن نصف هذا التداعي بالرغم من مباشرته بأنه حر وتلقائي ، بل هو تداع مراقب من قبل الراوي نفسه ، ومحدد البدايات والنهايات في كل واقعة مسرودة ، تستحث فيه الراوية ذاكرتها بواسطة ممارسة سلطة آمرة تحمل فيضا زائدا من التأنيب ، باعتبار الروائية نفسها هي الضمير الجمعي والضمير الذاتي للسيد مهران ، تسعى جاهدة إلى إعادته إلى ذاته ونفسه ، وإيقاظه من نوبات الزهو والاستبداد ، وحضّه على التوبة والأسف ، والخروج من الألم العقيم الذي يحدثه في ذاته وفي الآخرين ، والوعي على فشله واستغراقاته في الأنا المتعالية. وفي حمّى ذلك كله ، تمارس الروائية محاكمة السيد مهران بموجب ضميرها الذاتي ، لا وفق ما يقتضيه ضمير مهران ، في رغبة منها في تغيير الماضي الذي لا يمكن أن يتغير ، واستعادة ما لا يستعاد ، ولذلك فالارتياح الممكن إن كان ثمة ارتياح هو في البحث عن إراحة ضميرها ، ولكنه في المحصلة النهائية نوع من الرضا الزائف ، لأن عملية إسقاط الإثم والخطأ على الآخرين توحي بأن هذا النمط قد حقق القيم المثلى في داخله ، في حين أن القيم الذاتية غالبا ما تكون قائمة على وعي ناقص. ولقد وردت أكثر من عبارة في الحقل الخاص بضمير المتكلم في الرواية ، تؤكد الإحساس المضمر بالوعي الناقص حين تقول الروائية على لسان السيد مهران: (ما جئتُ هنا لوليمة بوح كما تدّعي ، ولست ممن يجلدون الذات ثم يطلبون المغفرة عن آثام صغيرة... أنت تفترض صورا جالت برأسي ، وتقوّلوني ما لم أقل ، وتحكي نيابة عني ما لا أرغب فيه ، ... قد يكون بعض ما قلته صحيحا إلا أنك بالغت كثيرا ، أضفت وقلت ما تشتهي كما لو أنك تملك مصائر البشر ، وجرّدتني من أي صفة طيبة) ص ,98 هنا يبدو ضمير المتكلم الذي يمثله السيد مهران أقوى من ضمير المخاطب الذي يمثله الراوي ، وإذا كان الضمير الثاني يسوق ما يستدعي التجريم والتأثيم ، فإن ضمير المتكلم يسوق ما يستدعي التبرئة ونزع الشبهات والنقائص والعودة عن التبخيس والهجوم. فلا وعي الروائية متأرجح بين الوجْد والحزن على مهران والنفور منه ، وبين تكييف الحالة المدانة تمهيدا لتبريرها ثم القبول بها. وعند سبْر منزع الشكوكية والاتهامية الذي حمل مسروداته ضمير المخاطب ، وفحص - من ثم - النزعة التطهرية التي توحيها مسرودات ضمير المتكلم ينبغي أن لا يغيب عن بالنا دور الإرادة هنا ، فهي إرادة غير خيّرة تهدف بالدرجة الأولى إلى خفْض درجة توتر القارئ بإيهامه بالحقيقة والحيادية عند محاكمة الوقائع التاريخية ، وبالتالي ، تمرير التصورات والأخيلة المراد البوح بها ، وتقديم الأمر على أنه نوع من الحيل الدفاعية.
انكتبت الرواية تحت هاجس ( ثقافة المظلومية ) و( ثقافة الاجتثاث ) ، من هنا برزت فيها ثنائية الضحية والجلاد ، ( وعلى وفق المنطق السيكولوجي فإن انتصار الضحية على من تعده جلادها يدفعها إلى التعبير بانفعالية في تضخيم ما أصابها من ظلم ، وشرعنة الاقتصاص ) وفي الأزمات الطائفية يحل العقل الشعبي محل العقل المنطقي... ترى هل من وحي هذا وصفت الرواية السيد مهران بأنه ابن زنا؟ وفسرت سلوكه الدموي،،، على هذا الأساس..إنها حيلة نفسية وهمية تسقط في عيادات الطب النفسي ، وبرانويا سياسية طُبخت على نار الطائفية حين تكون الرواية مأزومة بعقدة الخوف من الماضي ، والرعب من الحاضر ، وتوقع الشر والإفناء في المستقبل. ولو حققت الرواية في سردياتها فحو المثل العراقي ( الصلاة مع علي أثوب ، والطعام مع معاوية أدسم ) لكانت أقرب إلى الحيادية التاريخية ، وأكثر إقناعا ، فأنا لست مع المثل القائل ( الياخذ أمي يصيرعمي ) لأن نسب الأدب والفن أقوى.






رد مع اقتباس

