امرأة وشمعة
مقال يوسف أبو لوز
دار الخليج
امرأة تجلس أمام شمعة في ليلة باردة .
في الخارج، تعوي الرياح، وينقر المطر وجه النافذة، تميل الأشجار بأغصانها المثقلة بالثلج على سور البيت الذي غادره رجل في الأربعين من عمره تحت جنح الظلام، واختفى في الضباب، وفي الغياب .
تسيل دموع المرأة ببطء على وجهها الأسمر الصغير، ثم تسقط على قميصها المخطط بالأخضر والأصفر، وتذوب الدموع في القميص، وتختفي كما اختفى الرجل .
تسيل دموع الشمعة ببطء أيضاً، وتسقط في إناء أخضر صغير حيث يتكوّم الشمع الأبيض ويلتمّ على بعضه بهدوء، وقد تشكلت منه ما يشبه الجبال الصغيرة البيضاء، بل، أخذت الدموع الشمعية أشكالاً كأنها براعم أو أصابع نحيلة، أو كأن الشمع الدمعي بكاء صامت مهدّم ومتراكم هنا أمام المرأة السمراء في ليلة باردة .
في الخارج أيضاً كانت السماء تبكي مطراً يتلوّع ويتشتت في الرياح، ولكنه في النهاية، يسيل على الأرض . . يجري ببطء وبهدوء هو الآخر، تماماً، مثل جريان دمع المرأة، ومثل جريان دمع الشمعة .
تنتفض المرأة فجأة، وقد عرتها قشعريرة تعرفها جيداً، عندما كان الرجل الأربعيني يضع يده على جبهتها، وهي شبه نائمة . . شبه ميتة .
أبعدت الشمعة إلى زاوية معتمة في غرفتها، وأخذت تجفف بقايا الدمع المنسكب على وجهها الأسمر الصغير، ثم تناولت كأس ماء وشربته كله، وانتقلت إلى النافذة حيث المطر الذي لا يكفّ عن البكاء .
أزاحت قليلاً طرف الستارة الزرقاء، ووقفت جامدة باردة تماماً، ووحيدة تماماً، وهي تصغي إلى وقع الدموع الساقطة من السماء بلا توقف .
في زاوية الغرفة المعتمة، توقفت الشمعة عن البكاء، والمرأة نفسها كانت قد خرجت كلياً من الدمع وهي تشعر أنها خفيفة ونظيفة . . وطرية مثل الشعر .
تركت النافذة وتركت المطر، وعادت إلى مقعدها وهي في ذروة الخوف .
قالت: سأكتب قصيدة .
هذه هي المرة الأولى التي تكتب فيها قصيدة، وانتبهت وقد توغلت في الكتابة أن القصيدة مبللة من أوّلها وحتى آخرها بالماء، ثم انتبهت أيضاً أن ثمة رجلاً ينمو كالشجرة أو كالشمعة أو كالمرأة الوحيدة في القصيدة .
هنا، وضعت نقطة في آخر السطر، وتنفست من أعماقها، وابتسمت أمام المرآة لوجهها الأسمر الصغير .
هل الشعر هو المطر؟ هل هو الخوف؟ هل هو العزلة؟ أهو الرجل الغائب والمرأة الوحيدة؟
هو كل ذلك معاً . ذلك الذي اسمه الشعر .






رد مع اقتباس
