بقلم :فاطمة الصايغ
المراقب لمجتمع الإمارات يشعر فعلا بأنه يعيش في مجتمع دينامكي شاب كل ما فيه ينبض بعنفوان الشباب وإقباله القوى على الحياة ومباهجها ، فيشعر بأن هذا المجتمع خلق لكي يلائم ميول الشباب واتجاهاتهم العصرية ومتطلباتهم الحضرية والحضارية. كما يشعر بأن وسائل الرفاهية والمتعة والترفيه كلها تصب في منحى واحد وهو خدمة ذلك المجتمع الشاب وتلبية رغباته الحياتية حتى أصبحت معظم الثقافة المتداولة هي الثقافة التي يعتنقها الشباب ويؤمنون بها ويمارسونها.
فلا غرو أن تصبح ثقافة «المول» و«البلاك بيرى» والانترنت متطلبات مجتمعية لا غنى عنها ليس فقط للشباب بل لأي فرد. ولا غرو أن تغلب تلك الثقافة وتسود على كل الأفكار والأنماط الحياتية الأخرى السائدة في الإمارات . وليس ذلك غريبا ، فحوالي ثلث سكان الإمارات هم من فئة الشباب أي الفئة العمرية التي يزيد عن 15 ويقل عن 45 عاما. لذا فليس من المستغرب أن تكون ثقافة الشباب هي الثقافة الغالبة على المجتمع ككل ، ولا غريب أن يشعر الناظر إلى المجتمع بأن لا أحد غير الشباب يستطيع العيش والتفاعل الحي والنشط مع هذا المجتمع الدينامكي.
على مر الأيام ساهمت عدة عوامل على تأكيد وتفعيل هذا الجانب وإبرازه. فالكثير من المؤسسات الرسمية عملت على إحلال العنصر الأقل شبابا بالعنصر الشاب حتى أحس الكثيرون ممن تقدم بهم العمر بأنه لا مكان لهم في تلك المؤسسات التي ساهموا في وضع قواعدها . من جانبها عملت وسائل الإعلام، خاصة المرئية منها، على التماشي مع النمط السائد وفي المساهمة في إبراز وجهها الشبابي والتنافس على جذب الشريحة الشابة.
فاعتقاد هذه الوسائل أن المتعة والترفيه والتسلية هو ما تطلبه فئة الشباب جعلها تكثف جرعة التسلية والترفيه في برامجها حتى أظهرها في صورة غير واقعية وكأنها معزولة عن المجتمع الذي تعيش فيه. فرغبة القنوات الفضائية في الوصول إلى فئة الشباب وإرضاء أذواقهم جعلها تتمادى في إبراز «وجهها الشبابي» حتى ولو كان ذلك على حساب قيم مجتمعية كثيرة، وكل ذلك في سبيل إرضاء أذواق الشباب.
وعلى الرغم من اعتقادها بأن أغلب جمهورها من الشباب إلا أنها، وعلى مدى سنوات عمرها الطويل، لم تبذل جهدا جديا في تلمس قضايا الشباب الحقيقية والغوص في أعماق قضاياهم المصيرية ومواجهتها وإيجاد الحلول لها. فلا تزال جرعة الترفيه والتسلية فيها أكثر بكثير من تلك البرامج الموجهة الهادفة أو تلك ذات المضامين الجيدة.
من جانبها قامت بعض المؤسسات الرسمية المسئولة عن الشباب بوضع برامج معنية لاعتقادها أن تلك البرامج هي ما يهدف إليه الشباب ويرضي أذواقهم وتوجهاتهم . فالاهتمام المبالغ فيه ببعض الرياضات ككرة القدم مثلا ، قامت على حساب الاهتمام بتسليح الشباب بالثقافة وبعض المهارات الحياتية وحثهم على زيادة الاطلاع على ثقافات العالم المحيط بهم. الكثير من شبابنا يجهلون أبسط المعلومات عن مجتمعهم ناهيك عن تاريخهم. والكثير منهم لا يزالون يحملون الاعتقاد بأن مجتمع الرفاهية لم يول بعد وأن الدولة لا تزال هي المسئول الأول والأخير عن كل رغباتهم .
وتختلف قضايا الإناث عن قضايا الذكور. فمع الانفتاح وتلاقح الثقافات ظهرت ظواهر أخرى جديدة كالبطالة التي أصبحت كالكابوس الذي يلازم الشباب، والشذوذ والذي اعتبره البعض موضة أو تقليعة عصرية عوضا عن اعتباره مرضا نفسيا أو اجتماعيا. فأصبح بعض الشباب يتباهي بما اتصف به عوضا عن أن يدس رأسه في التراب خجلا وخشية.
وفي الوقت الذي يموج فيه المجتمع بكل هذه الاتجاهات كان لا بد وأن تظهر ردة فعل أخرى متمثلة في الجانب الأخر المتشائم والذي يرى أن المجتمع في خلل وأنه بالتالي بحاجة إلى تقويم وإصلاح وأن العنف أو التطرف هو الوسيلة الوحيدة لمعالجة ذلك الخلل. هذا الاتجاه على الرغم من أنه الآن غير واضح الملامح إلا أنه يمكن أن يتبلور مستقبلا وأن يتحول إلى تيار جارف يجرف معه الكثير من الشباب. كل ذلك يحدث والمجتمع لا يزال يتعامل مع فئة الشباب بطريقة سطحية، غير مبال بالتيارات الفكرية التي تموج بينهم، لا يزال ينظر لهم كفئة قاصرة هدفها الترفيه والمتعة والتسلية وأن كل ما يسعون له ويفضلونه هو ثقافة المول والمقهى والبلاك بيرى.
قضايا الشباب كثيرة ومتنوعة، واتجاهاتهم الفكرية تحتاج إلى وقفة جدية وما لم تدرس جيدا ويوضع لها الحلول المناسبة والجذرية يمكن أن تؤدي إلى عزلة مجتمعية بل وكارثية. إن غياب استراتيجية واضحة للتواصل مع الشباب ومعرفة أرائهم وتوجهاتهم الفكرية ورؤاهم المستقبلية هي قضية في غاية الخطورة.
كما أن عدم إعطاء الشباب الفرصة للتنفيس عما في دواخلهم والاستماع إلى أرائهم أمر ليس صحيا. إن خلق «مجالس شبابية» هي قضية تستحق النظر.
ففيها يتمكن للشباب من الاجتماع وتبادل الرأي والتنفيس عما في أنفسهم ، كما يمكن للمجتمع أن يسمع رأيهم في القضايا المجتمعية المهمة. فإحساسهم بأنهم يساهمون في صنع السياسات العامة سوف يعزز ثقتهم في أنفسهم ويشحذ هممهم ويحسسهم بالمسئولية تجاه المجتمع الذي يعيشون فيه. من جانب أخر فان الاهتمام بتسليح الشباب بالمهارات الحياتية والثقافة الكافية وحثهم على الاطلاع الدائم سوف يساهم في خلق جيل غير واع ومتفاعل مع محيطه المحلي والإقليمي.





رد مع اقتباس
