رفيق دربي الذي أعشقه
يبين فاروق حيدر في كتابه« رفيق دربي» أنه في منطلق رحلة الدراسة والخبرة التي حطت به وبزملائه الموفدين، الرحال في القاهرة، ورغم الصعوبات التي اعترضتهم في تأمين سكن وظروف حياة جيدة.
فقد نجح زميلهم النشيط فايق مغيزيل بمقابلة وزير إعلام الجمهورية العربية المتحدة، الدكتور عبد القادر حاتم، والاتصال بالأديب السوري المعروف فؤاد الشايب الذي كان يشغل منصب المستشار الإعلامي لوزير الإعلام لشؤون القطاع الشمالي، واستطاع، من خلالهما، استصدار قرار يعتبرهم موظفين قادمين من الإقليم الشمالي (سورية) يتقاضون رواتبهم كاملة، إضافة إلى تعويض جيد جداً كان يسمى (بدل إقليم)، فتحسنت ظروفهم المعاشية في القاهرة كثيراً.وكان الإعلاميون العرب، على اختلاف أقطارهم، وضمنهم الإعلاميون السوريون، ينظرون إلى إذاعة القاهرة نظرة احترام وتقدير، وكانت هي، في الحقيقة، الإذاعة الأم لمختلف الإذاعات العربية، والأساتذة الذين حاضروا في تلك الدورة، كانوا نجوماً لامعة في سماء العرب، ومنهم كبير المذيعين حسني الحديدي.
وكبير المخرجين يوسف الحطاب الذي اشتهر ببرنامجه «من قصص القرآن الكريم»، والمخرج محمود شعبان الذي اشتهر بمسلسله المأخوذ عن «ألف ليلة وليلة»، إضافة إلى المسرحي كامل يوسف، والإعلامي عبد الحليم البشلاوي، ومدير قناة صوت الشعب حسن شعبان.
وقد شَكَّلَتْ محاضراتُ هؤلاء، والتي تناولت عمليات التنسيق الإذاعي والدراما الإذاعية والمنوعات وبرامج الأطفال والبرامج الخاصة والبرامج الموجهة والندوات والأخبار (تحريراً وتقديماً)، الأساس المهني لهؤلاء الطلاب الموفدين.
ويوضح حيدر أنه بعد انتهاء الدورة الإذاعية أقيمت للموفدين دورة خاصة لمدة شهر في المعهد العالي للفنون المسرحية بالقاهرة، استطاعوا خلالها الإلمام بأساسيات علم الدراما، من تراجيديا وكوميديا وفن التمثيل ومدارسه المختلفة.
وبعودتهم إلى دمشق عين حيدر بصفة مخرج إذاعي، وهي مهنة لم تكن واضحة المعالم، إذ لم يكن في الإذاعة قبله مخرج آخر سوى تيسير السعدي الذي كان يخرج تمثيليات الفرقة السورية التي يكتبها القصاص الشعبي، حكمت محسن. وكان مدير الإذاعة يومئذ الإعلامي يحيى الشهابي، الذي كان يقدم الأشعار العربية بصوته العذب، وكان نجاة قصاب حسن في تلك الفترة، يقدم برنامجاً دائماً عن القانون، إلى جانب عدد من الأسماء المعروفة التي كانت تتولى مسؤوليات برامج مميزة تلك الآونة.
وكان يغني فيها خلال فترة الستينيات مطربون كبار، أمثال نجيب السراج ورفيق شكري وفهد بلان وكروان ونجاح سلام وسعاد محمد وماري جبران وزكية حمدان. وعرفت موسيقيين وملحنين أعلاماً، أمثال سليم سروة وعدنان قريش ومحمد عبد الكريم وبدر الدين حلبية وعبد الفتاح سكر وسهيل عرفة.
وفي فترة الانفصال لم تتغير الأمور كثيراً، لسبب بسيط هو أن العاملين في السياسة يتبدلون، لكن العاملين في الفن يبقون طالما بقيت دماء الفن والإبداع تجري في عروقهم. ويذكر فاروق حيدر أن إذاعة دمشق في تلك الفترة كانت تبث في آخر الليل برنامجاً للمغتربين بالعربية والإسبانية، وبرنامجاً للموسيقى الكلاسيكية وبرنامجاً بالإنكليزية، وآخر بالفرنسية، وبرنامجاً للموسيقى الراقصة، وبرنامجاً عن المسرحيات العالمية، وأساطير الشرق والغرب، والقصص العالمية.
وأخرج فاروق حيدر تمثيليات لكتاب آخرين، وكتب تمثيليات من تأليفه، وأعد أخرى وأخرجها، إضافة إلى برنامج «من روائع المسرح العالمي»، وبرنامج « أعلام الإسلام» الذي كان يكتبه المذيع مروان شيخو، وأعد وأخرج برنامجاً للمسابقات في شهر رمضان، وبرنامج «من كل أديب قصة للكاتب عدنان القابسي، وبرنامج «صباح النور» الذي كتبه الصحفي عدنان مراد وقدمه رفيق سبيعي وهدى شعراوي على هيئة حواريات.
وفي سنة 1963 أصبح أحد العسكريين الشبان مسؤولاً عن الإذاعة، وأصدر خلال سنتين عدة قوائم بفصل العناصر (الناصرية) من الإذاعة، فكان فاروق حيدر بين المفصولين بسبب هذه التهمة، وبقي مدة طويلة بلا عمل، ثم تعاقد مع إذاعة الرياض السعودية، وبينما هو هناك وردته رسالة من أخيه يوسف الذي طُرد أيضاً لكونه ناصرياً ويعمل في إذاعة الكويت، يعلمه عن وجود مسابقة للعمل في الإذاعة الهولندية، فتقدم إليها وقبل فيها.
وقد أمضى عشر سنوات في الإذاعة الهولندية. ومن ثم عاد إلى دمشق في أواسط سنة 1975، فوجد الأمور قد تحسنت فيها كثيراً، وبدأ من توه بإعداد وإخراج برنامج مدته ساعة، يعرف ب«سورية»، ويكتب فيه زكريا تامر فقرة الأطفال، وحسيب كيالي يتحدث فيه عن أحوال البلد، وفايز قنديل عن الحياة الثقافية، وعلي كنعان عن المسرح ومحمد شاهين عن السينما، وغيرهم الكثير، ونال هذا البرنامج الجائزة الأولى في مهرجان تونس للإذاعات 1976.
وقد عين حيدر في سنة 1979، مديراً للإذاعات الأجنبية، وفي سنة 1982 صدر مرسوم جمهوري بتعيينه بوظيفة فنان ممتاز ومخرج إذاعي من الدرجة الأولى.
وفي السنة التالية كُلف بالإشراف والتدريب والمحاضرة في المركز العربي للتدريب الإذاعي والتلفزيوني بدمشق، التابع لاتحاد إذاعات الدول العربية. وفي سنة 2001 عين مديرا لهذا المركز. وهو لا يزال يقدم البرامج التمثيلية والثقافية والمنوعات من إذاعة دمشق حتى الآن.
الكتاب: رفيق دربي مسيرة نصف قرن مع المايكروفون
تأليف: فاروق حيدر
الناشر: الهيئة السورية للكتاب 2010
الصفحات: 246 صفحة
القطع: المتوسط
خطيب بدلة





رد مع اقتباس

