على مشارف الذهول
مقال حبيب الصايغ
تبدأ أقصر الدروب بين نقطتين من الذهول المباغت . لحظة الانتباه هذه تصلح بداية لسعي الإنسان، ولتجدده في عمره وفي الزمان . الويل لمن فقد القدرة على الدهشة، ويا له من مسكين . هو لا يستمتع بحياته وإن حاول، وحياته تتحول إلى جحيم أكيد . أن يذهل الإنسان . أن يعجب بالأشياء . أن يستغرب . أن يتساءل . أن يبتسم ويضحك ويقهقه . أن يحزن ويدمع ويبكي وينتحب . أن يعيش الحياة بكل تحولاتها وتقلباتها . بكل فصولها ومناخاتها، فذلك هو الإنسان الحي .
في مقابل الشهداء وذوي السير الخالدة الذين هم أحياء في الموت، يوجد الأموات في الحياة . إنهم الحائرون والمتبلدون، وغير القادرين على مواجهة الدنيا بابتسامة خفيفة قادرة على التغيير . تغيير النفس من الداخل، وتغيير الإنسان من الخارج . ابتسامة صغيرة قد تكفي لأن ترسم وجهك من جديد، ودمعة حقيقية صادرة من أقصى الرأس والقلب، وانجذاب إلى شجرة أو هضبة أو شاطئ، أو إلى قوقعة منسية على ضفاف بحر منسي .
حركة الإنسان نحو عمره ومستقبله تبدأ من هنا . من التفاعل مع كونه وأكوان الآخرين . من شعوره بنفسه وإحساسه بالناس والتضاريس من حوله . من إحساسه بفصول العام، وشهور الفصول، وأسابيع الشهور، وأيام الأسابيع، وساعات الأيام .
والبداية محاولة .
فحتى الدهشة تحتاج إلى تمرين . لا شيء يولد هكذا من العدم بلا مخاض . لا شيء حتى الدهشة أو الذهول .
وعلى مشارف الذهول تتقدم المدن نحو ولاداتها، وتستيقظ الصباحات، ويتسلل الوعي إلى عقول الناس من آذانهم وعيونهم . من كل الحواس . لا الحواس الخمس المعلومة فقط، ولا الحواس الست . في الإنسان عدد لا محدود من الحواس، وأينما التفت، فهنالك مجال للذوق والتوق، ومجال للذهول .
على مشارف الذهول، يقترب الإنسان ويبتعد، لكنه في كل أحواله، على مشارف الذهول، يدنو من ذاته وصفاته، ويصبح عقله أخبر، وعيناه أبصر، وطريقه أيمن وأيسر .
ولا مجال للعودة إلى الوراء على مشارف الذهول . فهلا ركضت معي إلى قمة ذلك الجبل؟
معلوم أن التمرين على الذهول يبدأ بتسلق الجبال، ثم يتوهج بكل صعود، ولو كان إلى الهاوية .





رد مع اقتباس