هذا الكتاب بين يدي
مقال حبيب الصايغ
دار الخليج
الكتاب من عنوانه، لكن هذا الكتاب بين يدي يتماهى مع حيله وكأنه ثعلب . عنوانه البحر، وهوامشه منحوتة على حواف زمن لم يغادر طفولته بعد . أفكاره محتشدة في فكرة واحدة: الاختفاء خلف عنوان الوضوح، وكأن المواربة في هذا المقام استعارة استعارات الزمان . كتاب أزرق أزرق هو، ويقرأ من الغلاف إلى الغلاف في شغف الشوق والبحث . يقرأ ولا يمل، لكن على قارئه الانتباه إلى ما قد يعلق ما بين عينيه وفي قلبه من قواقع ولآلئ وكائنات .
هذا الكتاب بالذات ليس من عنوانه، ويستعير من الماضي والمستقبل عناوين معناه، وميزته في الأساس أنه لا يكترث بالحاضر . يقول أنا الحاضر فكيف أقف عند حدود نفسي؟ . . أتريدون لي الموت؟
أبداً، لكن أسئلتنا ستظل تدور حولك حتى تصيبك بالدوخة والغثيان . سنطاردك يا كتاب الحيل إلى أن تريق الأحجية رمقها الأخير، وما من قصد لدينا إلا الإمساك بطرف منك: بقبضة أو نسمة أو ريشة أو سبب . بمعلومة تؤدي قطعاً إلى الجحيم . برقم جهم أو عذاب يتبادل والعذوبة الرسائل والصور والنكات .
كتاب العمر أنت . أليس العمر توأم البحر؟ . . وكتاب الحقيقة الخالصة والوهم الخالص . كأنك سراب معلق في الرأس منذ انهمار الصحارى على الأرض، وكأنك محو أصيل يريد أن يرتدي رداء المعاصرة أيضاً، فيجمع المجد من طرفيه .
لا تظنن يا كتاب البحر أنني أجرؤ على لمسك أو الاقتراب منك . أنت في نظري لوحة تشكيل معلقة على الجدار، والمسافة بيننا ستبقى كما هي . خطوة وخطوتان وثلاث . الأبعد الأسلم، والأبعد بقدر ما يتيح للبصر حركة البصر، وللمكر إلهام المكر .
لا لأنني أعرفك أو أعرف مضامينك المحفوفة بالموج والموت، بل لأنني لا أعرف ولا أريد معرفتك . معرفتك هلاك، وأنا رجل أحمل على ظهري سفينة حذري منذ منتصف القرن العشرين، وأدور بها في حكايات القرى والمدن .
كتاب البحر في مكتبتي؟ . . هل أنا مجنون؟
أنا مفتون فقط، وقليلاً قليلاً سأتماثل للشفاء . لا داعي للعجلة .





رد مع اقتباس