بالنسبة للكثيرين على امتداد العالم، كان كشف موقع «بقلم :كامل يوسف حسين » عن 391832 وثيقة عن حرب العراق بمثابة زلزال هائل، ترددت أصداؤه في أركان العالم، ولا يزال من المتوقع أن تتردد المزيد من الأصداء، مع قيام الموقع قريباً بالكشف عن 15 ألف وثيقة أخرى. لكن الأمر لم يكن كذلك تماماً، بالنسبة لمن يتابعون التطورات على الساحة العربية، في إطار ما يجري على امتداد عالمنا العربي، الذي يحفل اليوم بكوارث لا تفتأ تتزايد، مع مطلع كل شمس يوم جديد، وإنما الأمر كان أقرب إلى توثيق جديد لما نعرفه ونلمسه.
هذه الوثائق تستمد أهميتها من أبعاد عديدة تستقطب اهتمام العالم اليوم، لكن أبرزها، في اعتقادنا، خمسة أبعاد محددة، لابد من التوقف عندها طويلاً:
أولاً: العدد الهائل من المدنيين العراقيين الذين قتلوا بدم بارد، سواء على أيدي الأميركيين، أو على أيدي «فرق القتل» العراقية، حيث ترصد الوثائق قتل 15 ألف عراقي مدني في حوادث لم يسبق التبليغ عنها، وكذلك 66081 حالة قتل خارج عمليات القتال، من بين 109 آلاف حالة وفاة.
ثانياً: ترصد الوثائق تحول التعذيب إلى سياسة ثابتة ومنهاج تحرك وآلية عمل، سواء على يد الأميركيين أو على يد عناصر من قوات الأمن العراقية، لم تتردد الوثائق في وصفها بأنها «فرق قتل».
ثالثاً: يرتبط بهذا مباشرة إحجام قوات الاحتلال الأميركية، على الرغم من مسؤوليتها المباشرة بصفتها القوة المحتلة وفقاً لمعاهدات جنيف، عن التحقيق في مئات البلاغات والتقارير عن التعذيب والاغتصاب والاعتداء وإساءة المعاملة، فضلاً عن القتل بدم بارد، وهي كلها عمليات تعرض لها مدنيون عراقيون، في مختلف أنحاء العراق، سواء على يد قوات الاحتلال أو قوات الأمن العراقية.
رابعاً: اتسمت الحرب في العراق باعتماد هائل لم يسبق له مثيل في تاريخ الحروب، بما في ذلك الحروب الأميركية على المتعاقدين الخاصين، حيث تصف الوثائق تعهيد المهام المختلفة، بما في ذلك مهام القتال والأمن وغيرهما، إلى شركات تنتمي إلى القطاع الخاص، الأمر الذي حول هؤلاء المتعاقدين إلى جيش موازن، يمارس القتل والتعذيب من دون أي ضوابط ولا روادع ولا مسؤولية.
خامساً: يتحدث كثير من المحللين السياسيين عن أن زيادة القوات الأميركية في العراق وتبنيها لاستراتيجية جديدة كانا وراء تراجع العنف في العراق، بينما توضح الوثائق أن الأمر يرجع إلى أن العراقيين أنفسهم هم الذين ضاقوا ذرعاً بسنوات طويلة من الحرب، وكانوا تواقين إلى إعادة السلام إلى بلادهم، وتشير الوثائق إلى أنه في حالات كثيرة قامت القوات الأميركية بقتل أشخاص كانوا في غمار عملية الاستسلام بشكل لا لبس فيه.
ومن المؤكد أن هذه الوثائق، وغيرها مما سيطل قريباً، تلقي الضوء على الفظائع التي ارتكبتها قوات الاحتلال وفرق القتل الحكومية العراقية، وتدين الجنرالات والسياسيين من الطرفين، الذين يمضون بأيد ملوثة، وكأنهم لم يفعلوا شيئاً.
ومن المؤكد بالقدر نفسه أن هذه الوثائق تستمد أهميتها من أنها تقدم منطلقاً أفضل لجهود المطالبة بالتحقيق فيما تتضمنه من وقائع، وخاصة قتل المدنيين وتعذيبهم وغير ذلك من جرائم الحرب.
وهذه الجهود بحاجة إلى تضافر كل القوى الشريفة، والمدافعة عن قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان في عالمنا العربي وبالتعاون مع القوى المناظرة على امتداد العالم.
لقد رأينا سياسيين عراقيين كثيرين يجوبون عواصم العالم العربي والعواصم الإقليمية ساعين إلى تأييد المسؤولين فيها لدورهم في العمل السياسي العراقي، في المرحلة المقبلة، وعارضين فرص الاستثمار لقاء هذا التأييد، ومن المحقق أن التعاون مع هؤلاء ينبغي أن يمر بالتأكيد من أن أيديهم ليست ملطخة بالدم العراقي أولاً.
بقلم :كامل يوسف حسين





رد مع اقتباس

