عندما نتحدث عن الشباب فنحن نتحدث عن مستقبل هذا الوطن الغالي، لأن الشباب هو قبضته وساعده وذخيرته للشدائد وطاقته الدافعة وقواه التي لا تنفد وإرادته التي لا تعرف اللين أو التردد وبصيرته النافذة وعز هذا الوطن الذي عانقت رماله عرق ودماء مؤسسيين واجهوا تحديات يلين دونها الحديد إلا أن إرادتهم كانت أقوى وحملوا تبعة تنوء بها الجبال الرواسي إلا أن همتهم كانت أعلى وصنعوا واقعا كان أكثر المتفائلين يظنونه أماني.

إلا أنه غدا حقيقة تدمغ كل يوم صور الزيف والبهتان وتزدان بإنجازات تدهش كل المنصفين وتذهل كل المتابعين وتزيد من فخرنا كوننا أبناء هذه الأرض المباركة حققها رجال أخذوا من الماضي العبرة والدرس وانطلقوا من الحاضر ليفكروا دائما في المستقبل دون النظر تحت أقدامهم.

كانت أحلام أمسهم دائما هي حقائق يومهم التي وضعت بلادنا ولازالت في المكان والمكانة اللائقة بها ومازال الطريق طويل والأمل كبير إلا أن عزائم الرجال لا تعرف الكلل أو الملل وآمالهم لا منتهى لها ولا ترضى الدنية في مستقبل وطنها.

ولقد حرصت القيادة السياسية الرشيدة منذ وضع اللبنات الأولى لوطننا أن يكون مبدأ المشاركة هو لحمته والحامي له دون الاكتفاء بالعناوين تم ذلك من خلال نمط فريد من إزالة الحاجز بين القيادة والشعب واعتماد سياسة الباب المفتوح فلا حاجب يحول بينها وبين أبناء الوطن والعقل المفتوح من خلال الاستماع إلى كافة شرائحه بتقاليد تأصلت في بيئتنا وأصبحت جزء من سلوكها توارثها الخلف عن السلف.

فالمشاركة السياسية ليست قالب ثابت ونمط جاهز للتطبيق في كل المجتمعات دون أن يكون لتاريخ المجتمع وتراثه والعامل الجغرافي وطبيعة المرحلة التي يمر بها المجتمع والظرف التاريخي دور في تحديد شكلها وآليات تطبيقها إضافة إلى توفير بيئة مواتية تضمن حق الأفراد في مباشرة الحقوق السياسية في ظل دستور ينص على المساواة بين الرجال والنساء في ذات المجال.

وهي قاعدة الانطلاق لتكوين المجتمع الديمقراطي والركيزة الأساسية لتنمية المجتمع على كافة الأصعدة وفي شتى المجالات فضلا عن كونها أفضل وسيلة لتنمية الشخصية الفردية عندما تتحلل من الشأن الشخصي لتنفعل بالهم العام بل وعندما تتخذ من قضايا الوطن قضاياها الشخصية، وكلما اتسعت رقعة المشاركة السياسية دل ذلك على صحة المناخ السياسي والديمقراطي، ولترسيخ ذلك المفهوم ينبغي رفع مستوى الوعي السياسي من خلال نشر قيم المواطنة ومتطلباتها بدء من المراحل التعليمية الأولى.

والمشاركة السياسية منبعها الشعور بالانتماء للوطن الذي يعد أساسا للمساهمة في صنع السياسات والقرارات بشكل مباشر أو غير مباشر. ولأن ثمة علاقة جوهرية بين وسائل الإعلام وبين المعرفة السياسية باعتبار ما تنشره صفحاتها وما تبثه عبر الأثير يمثل المادة التي تتكون منها العلاقات الإنسانية، إضافة إلى أن كل سلوك سياسي في حد ذاته يحمل طابعا اتصاليا على حد قول «رتيشارد فاجن».

هنا يجب النظر بعين الاعتبار إلى دور الإعلام في تدعيم المشاركة السياسية وسبل تطوير هذا الدور بحيث يصبح إطارا يهدي للمواطن فكره ويقوم سلوكه وينشر قيم الانتماء وحب الوطن وإعلاء شأن المواطنة لتحقيق وحدة النسيج الاجتماعي ويصبح الكل في واحد لتحقيق مستقبل مشرق للوطن والمواطن.

انه من الأهمية بمكان قيام وسائل الإعلام تعميق الانتماء الوطني وبخاصة لدى الشباب في ظل عالم يشهد تغيرات متسارعة تكاد تعصف بكل ما حوله ومن حوله ولن يصمد في وجه هذا الإعصار إلا الذين رسخت أقدامهم وتعلقت قلوبهم وتشبثت سواعدهم بثوابت هذا الوطن وقيمه التي تحفظه من كل الأنواء والمخاطر.

ولن يكون ذلك إلا من خلال تعريفهم بمسيرة وطنهم الحافلة لأن الأمم العظيمة تحرص على تسطير صفحات نضالها في قلوب وعقول أبناءها قبل تدوينها في الكتب والمراجع لتكون طاقة عمل وقوة دافعه عند مواجهة الخطوب والملمات من خلال إمداد الأفراد بالمعلومات والحقائق بدقة وموضوعية وبالتالي تأهيله للمشاركة السياسية في عملية اتخاذ القرار.

فهي إحدى القنوات الرئيسة لتدفق المعلومات من النخب السياسية إلى المواطنين وكذلك نقل مشاكل وطموحات الجماهير وتصوراتهم إليهم.

وهذه الحالة من التواصل تخلق مناخا صحيا يحول دون سوء الفهم لمجريات الأحداث وطبيعة البيئة السياسية والتي تلعب من خلاله دورا كبيرا في تعريف الشباب بواقعه كما أن لها دورا لا يمكن إغفاله في تحديد الأهمية النسبية لأولويات القضايا الجديرة بالاهتمام عن طريق إلقاء الضوء عليها والتي تصبح بالتبعية مثار اهتمام قطاع كبير من أفراد المجتمع.

يكمل ذلك ويعززه الحفاظ على نقاط التواصل بين المسؤول أيا كان مكانه وباقي أطراف وأطياف المجتمع وتشجيع المبادرات الفردية وتوجيه طاقات أبناءه توجيها سليما وفتح آفاق جديدة لمزيد من فرص المشاركة البناءة لتناول قضايا الوطن من خلال النقاش الحر والموضوعي الذي يبني جسورا من الثقة بين المسؤولين في مختلف القطاعات وشركاء الوطن.

إن وسائل إعلامنا مدعوة لأن تلعب الدور المنوط بها في إيقاظ الوعي لدى شبابنا وإخراجهم من دائرة الاهتمام الشخصي إلى دائرة قضايا الوطن، ولاشك أن طرح القيادة السياسية الرشيدة للعديد من القضايا ذات الاعتبار للنقاش المجتمعي لهي رسالة ينبغي أن نفهم مغزاها، ومن هنا يجب عليها أن تتوازن في أداء أدوارها وألا تغلب الجانب الترفيهي على حساب باقي الوظائف وألا تسعى دائما وراء ما يريده جمهورها ولكن لابد من الجمع بين ما يريده وما يحتاجه.

ولن يحقق هذا الجهد مبتغاه دون تكامل وتناغم جهود وسائل الإعلام وبقية الجهات الأخرى ومنها المؤسسات الدستورية والحكومية المعنية والمدارس والجامعات ومراكز البحوث ومؤسسات المجتمع المدني لتسطر ملحمة جديدة في حب الوطن.


بقلم :د. خالد الخاجة