بساط فقد خضرته
مقال الكاتب المبدع / خيــري منصـور
* دار الخليج
لم ينج بساط على هذه الأرض من الدماء . . بدءاً من التراب الذي امتزجت كل حبة منه بما نزف من الذائدين عنه، لكن البساط الأخضر رمز الملاعب الرياضية كان لزمن طويل بعيداً عن الدماء، وقد يكون الكتاب الصادر حديثاً بعنوان “دماء على البساط الأخضر” لأشرف محمود بداية جدية لمراجعة شجون الكرة، وما انتهت إليه بعض المباريات العربية - العربية من معارك بدأت بالسكاكين واكمل الإعلام ما تبقى .
ولسنا بحاجة إلى مثال واحد كي ندرك خطورة هذه الحرب البديلة، بل التي دارت وتدور بين الأخوة الاعداء، وكأن تسجيل هدف في مرمى فريق هو فتح عسكري وانتصار يستحق كل هذا الغار، مؤلف الكتاب رصد على ما يبدو تلك الحروب البديلة أو التعويضية بين الأندية العربية المتنافسة والتي نسي من تحمسوا لها أنه ما من مكان لحصان طروادة في ساحات الملاعب، وأن الكرة تبقى أسيرة الأقدام ولا شيء آخر . جميعنا نشعر بالأسى عندما تتحول المباريات إلى مناورات بالذخيرة الحية، سواء كانت هذه الذخيرة من الكلام الأقرب إلى الملاكمة أو من عصي وأحزمة وأحذية .
وكم يبدو مشهد العائد من مباراة حافياً وحاسر الرأس ودامي الجبين مثيراً للاشفاق، لأنه أساء فهم الإثنين معاً الرياضة والحرب .
لقد كتب الكثير وفي مختلف العواصم العربية عن هذه الظاهرة، لكن معظم ما كتب بقي في نطاق التوصيف والعتاب، رغم أن المسألة تحتاج إلى تحليل نفسي إضافة إلى البحث عن العوامل الاجتماعية الكامنة، ففي هذا النمط من المعارك يتم استثمار حالات التوتر والاحتقان لدى الناس، وهي حالات لا علاقة لها أصلاً بكرة القدم أو كرة السلة أو أية كرة جلدية، لأنها من إفراز أوضاع تاريخية، تراكم فيها كظم الغيظ والاحباط، وصارت تبحث عن أي متنفس لها حتى لو كان وهمياً .
فالمصطلحات المستخدمة الآن في الرياضة مستعارة بكاملها من معاجم الحرب، وأحياناً يتوهم المتحمسون لهذه الرياضة بأن الفوز في مباراة هو فوز سياسي وعسكري أو كما يقال هو فتح الأندلس أو القسطنطينية .
الأمر أبسط من ذلك بكثير، وما كانت الرياضة وبساطها الأخضر منذ البدء سوى وسيلة للتخلص من فائض الطاقة، وتعبيراً عن روح تنافسية بريئة لا مكان فيها للثأر بأدوات أخرى غير أدوات الرياضة ذاتها ولا تسمح ثقافتها المرنة المتسامحة بالتعصب، والتجييش الاعلامي .
ألا يكفينا كعرب ما نزف حتى الآن فوق البساط الرمادي؟ وما سفح من دماء في حروب أهلية وشبه أهلية، بحيث يغرق البساط الأخضر بالدم .
لقد تساءل الناس في مناسبات عدة تتعلق بهذه الظاهرة عن علماء الاجتماع والنفس والتربويين للبحث عن جذور الداء، لكن ما إن تصمت أبواق هذه الحروب حتى ينسدل الستار بانتظار حرب أخرى .
نعرف كم يعاني العربي المعاصر من مكبوتات نفسية واجتماعية وسياسية واقتصادية أيضاً، ونعرف ظمأه لأي انتصار، لهذا يختلط عليه الأمر، فينسى أن الكرة كرة ويظنها صاروخاً أو قنبلة، لهذا يفقد الخاسر رشده، ويصاب الفائز بنوبة من جنون العظمة .
فهل يعود هذا البساط المدمى إلى خضرته؟






رد مع اقتباس