حنا مينه وأسئلة ذكرياته
محمد إسماعيل زاهــر
دار الخليج
يثير كتاب “أشياء من ذكريات طفولتي، ذكريات في رواية” الصادر أخيراً لحنا مينه العديد من الملاحظات . العنوان يخبر القارئ أنه أمام سيرة ذاتية تدور حول عالم الطفولة . في الغلاف الداخلي للكتاب يؤكد الكتاب تعريف نفسه بأنه “رواية” . الفصول الأولى من الكتاب تدور حول ذكريات مينه عن والدته وعلاقته بها والظروف السيئة التي عانتها الأسرة، وتدخل مباشر من المؤلف يرصد من خلاله كيفية تناوله لصورة الأم - أمه - في بعض رواياته السابقة، ويخصص مينه الفصول الأخيرة للحديث عن قضايا فكرية عربية وأوضاع المبدع الاجتماعية والمادية . . إلخ .
للوهلة الأولى يبدو للقارئ أنه أمام موضوعات متنوعة تطرح أسئلة بخصوص التجنيس الأدبي، وربما يتسرع في الحكم ليصف ما يقرؤه بالكتابة الحرة أو يتورط في القول بأننا أمام شكل أدبي جديد يتجاور فيه الأدبي مع الفكري، والذاتي مع الموضوعي . إلا أن الكتاب يهيمن عليه حس الرواية بكل مفرداتها وآلياتها، فهناك السارد الموجود بقوة أحياناً والمتخفي في أحيان أخرى، وهناك صورة الأم التي تكتمل ملامح وعي الطفل بها كلما تقدمنا في القراءة، فضلاً عن الراوي نفسه المهموم بالفقر والحرية ويتصاعد وعيه بهما مع تقدمه في العمر، وهو الوعي المميز لإبداعات مينه السابقة، والحديث عن هاتين القضيتين في هذا العمل وفق لعبة الإفصاح/ الإخفاء يكسب الرواية مذاقاً خاصاً، ويضعنا أمام محاولة لشكل روائي جديد .
يختم مينه الرواية بكلمات تحتاج إلى التأمل مرة تلو الأخرى، يقول: في طفولتي كنت في فقر أسود، وفي شيخوختي في فقر أبيض، أي أنها “مستورة”، وأجزم أن حياة زملائي من الكتاب أسوأ من حياتي، لأنها غير “مستورة”! كلمات تتعلق بإشكالية الحياة الكريمة للكاتب، وبرغم كثرة ما كتب فيها من اقتراحات وتصورات فإنها مازالت مؤرقة ومتروكة غالباً لاختيارات كل مبدع على حدة وتصوراته عن أدواره وقناعاته الذاتية، ولكن ما يكسب كلمات مينه أهميتها صدورها عن أحد أكبر الروائيين العرب، وما يعطيها زخمها حديث مينه الصريح عن تأثير الفقر في المثقف، وهنا تثار أسئلة تتعلق بقدرة المبدع العربي على التعبير عن الفقر بأبعاده ودلالاته المختلفة، خاصة أن أجيالاً جديدة من مبدعينا لا تلتفت إلى هذه المسألة .
مسألة أخرى تستوقف قارئ رواية مينه عندما يقول “عشت في دمشق اثنين وخمسين عاماً ولم أكتب عنها اثنتين وخمسين كلمة” . هنا يخرج مينه بالإبداع عن أطره المقدرة له من قبل الكثير من النقاد والمتابعين، ونعني بذلك العلاقة الآلية المفترضة أو المفروضة التي تربط المبدع بالمكان الذي يعيش فيه . إن رواية مينه بقدر ما تثير من ملاحظات حول شكلها الأدبي تطرح أسئلة معلقة في نقاشاتنا الثقافية، أسئلة استطاع التعبير الأدبي لقلة من كتابنا تجاوزها ليس من خلال جدل الطروحات الفكرية وإنما عبر الإبداع وحده .





رد مع اقتباس