الكتابة بالغيم
مقال الكاتب المتألق يوسف أبو لوز
دار الخليج





رجل يُطيل النظر إلى الغيوم .

مرة يرى كائنات معلّقة في الجو فيخيّل إليه أن الغيوم سرب من الغزالات البيضاء، أو أنها نمور من ضباب، أو أنها عربات مهدّمة من التعب، أو أن الغيوم لغة تجري في السماء، أو أن الغيوم موسيقا سائلة بالقرب من الشمس، أو أنها كرنفال أبيض وأسود ورمادي، أو أنها بساط خفيف لم تحسن امرأة نسيجه ولا حياكته، أو أن الغيوم هي بهجة الرجل الوحيد مساء الخميس، فيحدس أن وراء الغيمة وابلاً من مطر في أوائل هذا الشتاء، الشتاء الذي مثل نشيد الماء حيث يتحول مزاج الأشياء والكائنات التي تصبح مائية وفي خفة الغيم .

رجل وحده في الكتابة .

رجل يأكل كتف الكتابة، هي كمنجته ووتره المشدود، ومنزله السعيد تحت غيومه السعيدة .

رجل من سلالة بدو كانوا يشمون رائحة المطر قبل أن يسقط على الحجارة والرمل . سلالة كانت تقرأ النجوم، وتقصّ الأثر، وتعاين مسار بنات نعش ونجم سهيل في ذلك الحبل المتين من المجرّات .

رجل يحب المطر، ويخترع منه دمية كالقصيدة . يعتبر الشتاء عيده الطويل . في الشتاء يتذكر الكستناء التي كانت تتوجع وتتقافز على صفيح ساخن عندما كان قلبه أيضاً ساخناً كأنه في ضيافة الشمس .

في الشتاء يعود إلى طفولته وإلى حصانه المصنوع من عصا الرمّان . في الشتاء يصغر في العمر، يعود إلى صباه وإلى مضارب البدو، وإلى ماء الحصان، وإلى ركن الزيت والزيتون .

حياته بقيت هناك، في ذلك الهزيع الأول من شبابه الأول، حيث طرق الحب بابه للمرة الأولى . كان الباب من الغيم أيضاً، لذا، لم يسمع صوت الحب . كان عليه أن يكبر قليلاً كي يتعلم الحب .

أمنياته، أيضاً، بقيت هناك .

قميصه الخفيف، مرآته، دفتر رسوماته، قطعة الحلوى التي تراكم عليها النحل، الحصان الذي لا يصهل، الجدّة التي تحوك النسيج في الضحى بقرن الماعز . كل ذلك بقي هناك، في علبة الشتاء .

رجل يمعن النظر في الغيوم .

رجل مولود من غيمة ومن خيط ماء، يحافظ صباح الخميس على ذكرياته وأشواقه، فهي أيضاً تعينه على الكتابة، وتعينه على عدم نسيان الشتاء .

أهلاً بالشتاء . .