بقلم :د. محمد سلمان العبودي
البعض منا قد تمر عليه هذه المناسبة بشكل اعتيادي كأي عيد وطني آخر سبقه، والتمتع بإجازة قد تمتد عدة أيام والتخطيط في كيفية قضائها إما بين أهله أو مسافراً إلى دولة من دول شرق آسيا.
والبعض الآخر ـ والخوف أن يكونوا هم القلة من بين مواطني ومقيمي هذه الدولة ـ يعرضون التاريخ أمام أعينهم كشريط تسجيلي بدأ باللونين الأبيض والأسود الذي يتحول تدريجياً إلى ألوان قوس قزح.
الحقيقة أنها مناسبة لا يمكن المرور عليها مرور الكرام. إنها مسيرة حافلة ومهيبة. وتاريخ فريد من نوعه لم نجد له مثيلاً في تاريخ الوطن العربي من شرقه إلى غربه المتسم بالانقسامات والخلافات والتفرقة والضعف والأنانية والانطواء على الذات.
ترى من يخبرني بوحدة عربية أو إسلامية امتدت كل هذا الأعوام الطويلة؟ 39 عاماً بالتمام والكمال.
وعندما اتفقت الإمارات السبع شيوخاً وشعباً بين ليلة وضحاها على اتخاذ قرار الوحدة فيما بينها، وجدت نفسها دون تردد ودون تساءل ودون إحساس بفقد الهوية الخاصة بكل إمارة تتسابق لتقديم ولاء الطاعة لرئيسها، وتتنازل بكل رضا وكرم عن بعض مصالحها الخاصة لأجل المصلحة العامة.
ولم يختلف حكام الإمارات السبع على من يكون رئيساً أو نائباً للرئيس أو غيرها من المسميات التي تقف حتى اليوم عائقاً أمام الاتحادات العربية والإسلامية الأخرى.
فإذا كان التنازل ـ كما يحدث في حياتنا اليومية ـ عن أصغر منصب إداري في أصغر مؤسسة إدارية يشكل هماً ورعباً وقلقاً على فقدان الكرسي الوثير، فكيف إذن بالتنازل عن مرتبة الشرف لرئاسة دولة؟ إنها مسألة ليست بالسهلة ولا بالهينة.
ومن يعتقد بغير ذلك فليجرب التنازل ولو ليوم واحد فقط عن سلطته لغيره أياً كانت أهمية هذه السلطة حتى ولو كانت في بيته. غير أن ذلك حدث بالفعل وفي الواقع بين سبعة حكام ينتمون جميعاً إلى أشراف القبائل العربية التي توارثت الحكم منذ قرون بعيدة في الجزيرة العربية وجرب أجدادها الحروب والقتال والكر والفر والمقاومة.
وكان لمثل هذا الحدث لو وقع في مكان آخر غير دولة الإمارات أن يفجر شلالاً من الدم والانتقام والثأر بعد مرور سنة من توقيع الأوراق. وربما لهذا السبب راهن العديد من المحللين السياسيين والدارسين والباحثين في المنطقة والعالم العربي والإسلامي ممن اطلعوا على تجارب العالم العربي في مسألة الوحدة، على فشل هذه التجربة. وطال انتظارهم.
وسوف يطول ما دام الشعب والحكام والصغير والكبير والمتعلم والأمي يقدم مصلحة العامة على مصلحته الخاصة. أما إذا ما ساورت أحدهم الشكوك في يوم من الأيام في مدى مصلحته الخاصة من هذه الوحدة.
وفي مدى استفادته وخسارته من بقائه فيها أو انفصاله عنها (لا سمح الله)، فهناك سيقع الجمل بما حمل وسوف تتحول القوة إلى ضعف والسيف إلى عصا والحلم إلى ذرات من الغبار تبعثرها الرياح.
وهذا الفكر الوحدوي المتأصل لدى أحفاد زايد رحمة الله عليه كالشجرة الطيبة أخرس كل من شكك أو حاول أن يشكك في استمراريته حقداً أو حسداً أو بغيضة.
وهؤلاء لا يعلمون كيف وبأي إرادة جماعية تخلت الإمارات شعباً وحكومة عن أعلامها المتفرقة وعن جوازاتها المتنوعة وعن سياساتها الخارجية والداخلية وعن اقتصادها لتنتظم جميعها في عقد واحد برئيس واحد ومجلس وزراء واحد ومجلس وطني واحد في عقد منتظم فريد من نوعه أخذ كل طرف منه حصته وحقه دون أن ينظر إلى ما في يد غيره ولم يتظلم ولم يشتك وإنما اعتبر منصب الرئيس منصب مسؤولية جماعية وشاقة.
ومنصب رئيس الوزراء مكابدة وليس راحة لمن يحمل هذا المنصب، والوزراء مسؤولون عن كل صغيرة وكبيرة ومحاسبون أمام الله أولاً وأمام شعبهم ثانياً وأمام حاكمهم ثالثاً.
صحيح أنه لا كامل إلا الله تعالى. وصحيح أيضاً أن دولة الإمارات رغم التسعة والثلاثين عاماً التي تحتفل بانقضائها بعد يومين، عانت وواجهت وسوف تواجه العديد من العقبات والصعوبات والانعطافات التي لن تزيد اتحادها إلا قوة ومعاناتها إلا صلابة واختلافاتها إلا تعاوناً. وشعب الإمارات وحكامها تظل طموحاتهم أكبر بكثير من مجرد رسم على ورق.
طموحاتهم أن يروا الإخلاص في تحمل المسؤولية (من وزيرها إلى عاملها البسيط) هي هم الجميع، وأن الفارق في المستوى المعيشي بين هذا وذاك وهذه الإمارة وتلك قد قل وتقلص حتى يصبح الجميع متمتعين بالحقوق المتساوية في المسكن والوظيفة والصحة والتعليم ومتساوون في الواجبات.
وشعب الإمارات لم يتوقف عن الانتظار بثبات وروية أن يتحقق له عن قريب حلم المجلس الوطني الذي يمثله خير تمثيل، والذي لا يتحول كما تحول لدى الآخرين إلى مجلس فوضى وصدام وتصفية حسابات شخصية وتشابك بالأيدي، وإنما مجلس بني على أهدافه السامية لخدمة المواطن والمقيم على حد سواء.
وأن تنتقل دولته إلى مصاف الدول المتقدمة في الصحة والتعليم والاقتصاد والمواصلات والصناعة ولكن بيد وعلى يد أبنائها. وشعب الإمارات يحلم بيوم يصبح فيه المواطن بزيه الوطني ولغته العربية هو السمة الغالبة في شوارع وحدائق ومراكز ومؤسسات ومصانع بلده.
لا أحد يشك أن المغتربين قد قدموا خدمة جليلة لهذا البلد المسالم الطيب القلب الواسع الصدر الكريم اليد وساهموا في بناء شوارعه وحدائقه ومراكزه ومؤسساته ومستشفياته ومصانعه، بيد أن ذلك لن يكون أبداً على حساب هويته الوطنية الأصيلة وعلى عاداته وتقاليده ومستقبله المشرق ومستقبل أبنائه ودورهم في البناء.
وأن نواقيس الخطر التي دقتها أقلام الكتاب الغيورين على وطنهم وهويتهم منذ أكثر من عشرين عاماً لا بد وأن تجد آذاناً صاغية لدى الغيورين من أبناء هذا الوطن.
نتمنى؟ والكل يتمنى معي؟ أن نحتفل بكل عيد وطني قادم بزيادة نسبة المواطنين بمعدل واحد بالمائة. وهكذا ستمثل نسبتهم في وطنهم 39 بالمائة بعد 39 عاماً قادمة كتلك التي مضت.
وكل عام وانتم بخير





رد مع اقتباس


