في الليل
مقال خيري منصــور
* دار الخليج
طار النوم من عيني وحط على نافذة الجيران . حاولت اللحاق به لكن بلا جدوى . النوم أسرع ويمتلك جناحين من البأس والفولاذ . لم يكن بيني وبينه إلا جدار النعاس الشفيف، لكن لا فائدة . أغمضت عينيّ حتى آخرهما . أغلقت أذني بيدي . حاولت أن أنسى كل شيء وأركز على النوم، وباءت المحاولة تلو المحاولة بالفشل . كلما حاولت النسيان أتذكر أكثر . ذهني مستيقظ، ودورتي الدموية تأخذ المسار التصاعدي . الدم الحار يصعد من الصدر إلى الرأس، وهنالك في أقصى الحلم والندم، يشرف من عل على آلية لا تكتمل أبداً: حارس النوم العنيد يضع بيني وبينه أسواراً من الشوك وعدم الثقة، ولا قدرة لي على المقاومة . لقد أنفقت معظم عمري نائماً أو محاولاً النوم، ويا له من وقت مضيع مهدور .
لست في حاجة إلى شرح حاجتي إلى النوم، ولا يوجد أصلاً داع لذلك . قضية نومي تعنيني وحدي ومن العبث تناولها في هذا المقال .
وحاجتي إلى البوح والفضفضة لا تعد مبرراً معقولاً بأي حال من الأحوال .
حاولت طول الليل أن أنام . تعبت كثيراً وأنا أغمض عينيّ وأفتحهما، وأضع يديّ في أذنيّ ثم أتراجع عن هذه الحركة السخيفة والسمجة .
حاولت أن أنام، وكأن النوم هو قضيتي الأولى في هذه الدنيا الفانية:
هذا رحيق دمي يعسكر في عروق الجن، فلتتسلقي هذي الكريات القتيلة . لن أغامر بالرحيل، فقد مللت تقلب الأجواء . لن أستنشق الموت الذي ما فيه من موت سوى اللفظ المحنط .
لن أهادن واحتمال الحب يشغلني عن العشب البريء .
هذا دمي يفنى ولا أفنى،
وأنزف وهو يثريني،
فلا ترتاح أوردتي
من العيش البطيء .
وحاولت أن أنام . قضيت الليل كله في المحاولة . قضيت العمر كله . الدهر كله:
يُقال بأن نجوم فلسطين غير النجوم،
يُقال بأن بدور فلسطين في ليلة النصف تنزل من بيتها وتجيء
يُقال بأن بلادك في الليل يسكنها الليل حتى يكاد يضيء .






رد مع اقتباس