الأفلام التي على شاكلة فيلم المخرجة الإسبانية إيسيار بولان الجديد “حتى المطر” صارت قليلة . نعم، هناك أفلام كثيرة تنتقد وتصرخ وتتعامل مع هذا العالم الذي يزداد هوساً وبعداً عن القيم، الا أن “حتى المطر” ينضح برسالة سياسية لا تُهادن ولو أنها أيضاً لا تنجز غاياتها على نحو كامل .
إنه الفيلم الذي يمثّل إسبانيا في مسابقة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي، وأحد الأفلام الساعية للخروج، على الأقل، بجائزة “الغولدن غلوب” في القسم نفسه . يدور حول مخرج (يؤديه المكسيكي غايل غارسيا برنال) ومنتج (الإسباني لويس توسار) يصلان إلى قرية كوشابامبا في بوليفيا لتصوير فيلم روائي عن رحلة كريستوفر كولمبوس إلى القارة الأمريكية سنة 1492 . كل شيء في مكانه، هناك ممثلون إسبان سيؤدّون أدوارهم المختلفة بينهم الممثل الذي سيجسّد شخصية كولمبوس، وذاك الذي سيجسد شخصية ممثل الكنيسة الذي جاء معه، والمطلوب مجموعة من المواطنين المحليين لأداء شخصيات المواطنين الأصليين الذين التقى بهم الرحالة الإسباني حين حط الرحال . هؤلاء متوفّرون من القرى والمزارع المحيطة . إذ ينطلق التصوير ويتم إلباس المواطنين المنحدرين مباشرة من هنود المنطقة الذين استقبلوا كريستوفر وجنوده ورجاله بترحاب وفضول .
خلال التصوير، تقع أحداث موازية: شركة مياه أوروبية تحاول سرقة الماء من المزارعين لري مشروعاتها الخاصّة معرّضة محصولهم الزراعي لإبادة مؤكّدة . المزارعون ينتفضون في ثورة عارمة، وبينهم أحد الشخصيات الذي يؤدي دوراً رئيسياً في الفيلم ما يعرّض عمله للخطر، لكن المنتج والمخرج متّفقان على أنهما لا يستطيعان استبداله وقد تم تصويره في مشاهد عدة، يسعيان لإطلاق سراحه بعدما اعتقلته الشرطة فيمن اعتقلهم من المتظاهرين .
الفيلم ترك أثره في الفريق الإسباني نفسه الذي جاء يصوّره في بيئته الواقعية، إذ تبدّت لهم مساوئ ما قام به كريستوفر كولمبوس ومعاناة الهنود الحمر من أيام “اكتشاف” القارة الجديدة إلى اليوم . المخرجة بولان تعرف كيف توعز ثم توضح كيف أن المعاملة التي بدأت بسرقة الأرض والذهب ومحو التقاليد والثقافة الخاصّة، استمرّت، وها هي شركات غربية تحاول سرقة الماء (الذي يهطل من السماء) من هذا الشعب، أو كما تقول إحدى الشخصيات: “ما زال علينا أن نقاوم لكي نبقى أحياء . تماماً كما في السابق” .
تنتقل المخرجة بين الأحداث الحالية وبين ما تصوّره (طريقة فيلم داخل فيلم)، لكنها تتوسّع في اتجاهاتها النقدية حتى توصل الطروحات إلى أقصاها في إدانة للعالم الغربي . الفيلم الذي جاء المنتج والمخرج لتنفيذه في بوليفيا، يصبح المنفذ الذي تنتقل عبره من الواقع الحالي إلى التاريخ . وهي تفعل كل ذلك بوتيرة مشدودة وتوزّع المشاهد في عناية ودراية . وفي الجزء النهائي تصل إلى تحليل الموقف الفردي، فالمخرج الذي قال في البداية “الفيلم يأتي أوّلاً” يدرك أن هناك واقعاً قد يقلب الخيال ويعيده إلى الحقيقة، والمنتج الذي كان خائفاً من هدر ماله، يصبح همّه إنقاذ طفلة مصابة والقائد الثوري البسيط ليس لاستكمال التصوير بل تأييداً لسياسته .
إنه من الوقائع الثابتة في السجلاّت أن كولمبوس، إذ وصل إلى “الأرض الجديدة” واستقبل بحفاوة الهنود الذين أطعموه وجنوده وأحاطوه بالترحيب، راح يكتب للملكة عن هؤلاء “المتوحشين” وعن الذهب الذي لا يقدّرونه وكيف سيسعى إلى الاستيلاء عليه . سريعاً في ما بعد، أصدر قانون ضريبة فصار على كل هندي دفع ضريبة من الذهب ومن لا يفعل تُقطع يده . أما اولئك الذين تمسّكوا بتقاليدهم، فقد تم إحراقهم بموافقة الكنيسة . الفيلم يُثير الغضب لكنه من الجودة بحيث يحوّل هذا الغضب إلى إدراك ورسالة في مكانها





رد مع اقتباس

