قليـــــل
حبيــــب الصــايــــغ
دار الخليـــج
البدايات خضراء . ليس هذا لونها من الوهلة الأولى، لكن المتأمل يكتشف هذه الحقيقة بعد قليل من الوقت، والشرط أن تكون الشمس فوق الرأس تماماً، وأن يصل بعض ضوئها إلى المخ، متسللاً عبر جلدة الرأس والجمجمة، ودهاليز أخرى وكواليس، وكوابيس، وأسئلة، ومتاهات لا حصر لها . وللبدايات ممراتها الضيقة التي تتسع بعد قليل من الوقت: سنة أو عقد أو قرن أو ألفية .
ترى ما الذي نعنيه بعبارة “قليل من الوقت”؟ لا شيء محدداً على الأرجح، فالوقت مسألة نسبية، والتعامل مع الوقت نسبي . الدقيقة قد تكون ساعة، والساعة يوماً . قد يكون اليوم أسبوعاً، والأسبوع ساعة، وقد نتذكر حدثاً مهماً أو بسيطاً مدته خمس دقائق، ثم نحاول استحضار ما حدث في خمس سنين فلا نستطيع .
قد نكون عشنا الخمس سنين بالطول والعرض . سافرنا وعدنا ثم سافرنا من جديد . نمنا واستيقظنا وحلمنا . تكلمنا وأكلنا وشربنا ودرسنا وعملنا . قد نكون تزوجنا وأنجبنا . قد نكون عشقنا وكرهنا، لكننا الحقيقة الدامغة هي أننا نسينا وكأن تلك السنين لم تكن أصلاً؟ ليس فقدان الذاكرة المؤقت، لكن تعاملنا مع سنوات العمر هكذا . سنة عادية، تليها عشر سنوات كبيسة . سنة بفصول أربعة، وسنة بفصل واحد شاحب، باهت، وكئيب . سنة تغمرنا بالمطر، وأخرى مطوقة بالجفاف . سنة مكتوبة بالنيون ومغلفة بالسلوفان، وأخرى مرمية على قارعة الطريق، ومغمورة بالتراب .
فكيف نتعامل مع أعمارنا، هذه الخفيضة الشاهقة، هذه الراكضة أمامنا كالكلاب السلوقية، وهذه المتخيلة أبداً ونحسبها واقعية وحقيقية؟
النسبية لا غير، ولأنشتاين أن يقف متربصاً في الزاوية القريبة، وأن يسخر من حركتنا الدائرة حول أنفسنا، وأن يقهقه عالياً وكأنه مهرج .
هيهات هيهات . لقد مر قطار العمر، ولن يقف في المحطة المقبلة . لن يقف أبداً . قليل الوقت مثل كثيره، ولا فائدة من الانتظار:
ماثلاً لم أزل كالبكاء، فلا تسألوني عن الألق المتيبس في داخلي
إنه قطعة من ظلام كثيف
وله حيرة الأرض بين النزيف وبين النزيف .
سأقلع ذاكرتي، فاتبعوني إلى آخر الحزن، وانتشروا في شهيق السيوف .






رد مع اقتباس