الـمـطـــر.. مكان الحالمين بالاخضرار وسوناتا النَّماء
جلال برجس
* الدستــور الاردنيــة
المطر مكان: مكان فسيح ، فسيح: بأبواب: بشابيك: بطُرقْ: بحكايا: بأرصفة: بخَطايا: بشعر: بفرحْ: بحب: بموت: بحياة. هو مكاننا: مكاننا الذي حين يجيء تشهق الأمكنة الأخرى ، وتقف في باحته ، كأيادي تنتصب في عقر الهواء ، مرة واحدة ، وقد شجّت صدرها لأنامله التي أرسلها الغيمُ ـ على مَحْمل الرعاش ـ بصعقة الخَلْق.. مكاننا ، نحن الذين نحْلم أكثر مما نأكل: أكثر مما نتنفس: أكثر مما نلتفت إلى الوراء.. نحلم وفي البال أغاني الخصب ، وترويدات النماء: كمنجاتنا خضراء ، خضراء ، وغناؤنا ، أخضر.. من نحن؟ نحن الذين جئنا ، هنا ، نَحْمل في اليمنى بذرة ، وفي اليسرى غيمة ، وصهيلُ الحلم في دواخلنا ، هو البرق. من نحن؟ نحن أبناء الطين ، الذين سنبقى نحن لرعشة الماء في أجسادنا المليئة بالشهوة ، والخروج على زعيق اليباب.
دعوني أسْتبق لحظتي ، دعوني أتخيّل:
أعبْر باب المقهى. أخلع معطفي ، وأعلقه على مشجب ، قرب الباب. بمنديل ورقي أجفف ماء المطر ، عن وجهي. انتبذ لي طاولة تطلّ على الشارع ، عبر نافذة زجاجية واسعة. أطلب كوب شاي دافئ. أهمس في أذن النادل أن يبدل الموسيقى بمقطوعة لشوبان ، فأنا أحب شوبان ، جداً: له نكهة فريدة وقت الحب والمطر. أشعل سيجارة ، وأرتشف من كوب الشاي. يعود المطر ، مرة أخرى ، بعد هدوئه القصير ، يسح على زجاج النافذة العريضة ، كقصيدة يكتبها شاعر بماء قلبه. تجيء ـ من ركن المقهى ـ يمامات شوبان ، تمسح جفون القلب برعشة الأكاسيا تحت المطر. من باب المقهى تعبر ، تخلع معطفها. على وجهها ابتسامة الغيمة ، في أول الشتاء. تمد يدها للسلام. يدها باردة ، ليس بفعل برودة الطقس ، إنما اللواتي قلوبهن دافئة ، أياديهن باردة. تجلس. أطلب لها فنجان شاي. يزداد هطل المطر ، وتصير نقراته ـ على زجاج النافذة ـ إيقاعَ حنين مختلفاً. تتحدث كثيراً عن الرؤى المغايرة للأشياء ، أتحدث كثيراً عن عينها الذابلتين. نتحدث عن المطر. تقول لي إن المطر مكاننا. أقول لها إن المطر مكان حين يجيء تتماهى به الأشياء والأمكنة. نشرب قهوة ، ندخن ، نغني ، نثرثر عن شوبان ، درويش ، وعن عمان وقت الشتاء. تحدثني عن الجنوب. أحدثها عن ليالي الشتاء ، في الصحارى. تنظر إلى ساعتها ، ثم تبتسم ، وهي تقول إن عليها الرحيل. نفترق ، عند باب المقهى ، بينما غيمة ـ في البعيد ـ تهدي للقلب مزيداً من المطر ، وشاعر ما يردد ما بينه ومابين الريح:
"قالت الغيمة للبرق:
اشتهيت ضَمّكَ مرتين.
قال البرق للغيمة :
اشتهيت ضمّكً عمرين.
قالت الأرضُ للسماء :
هًبينا ، يا سماء ، مزيداً من الضمًّ ،
فالرعدُ يركض ـ في المدى ـ يحدو بأغنية المجاز ،
وعشب الأرض يلْهَج غارساً بالحنين.
قالت امرأة تخبئ نارها ، في الريح:
اشتهيت ضمَّ الريح
قطافاً ، من كروم الجمر ، يلثم شهوتي
ويرفع وردة الصدر أمام البروقً ،
فطافت بها ـ على حين غرة ـ
فرس الأنين".
دعوني أعود إلى لحظتي ، دعوني أستفيق
أقف إلى نافذة غرفتي المضاءة ، وسط عتم ذلك الليل ، والليل سرمدي يوزع الصمت ، بسخاء. أمسح البنايات والشوارع والمدى بنظرة طويلة ، كظنّة في البال ، وأشهق بتلك النسمة الهوائية الباردة ، التي بدأت تتسلل عبر الأزقة ، ومن وراء الجبال التي تقف وراء المدينة ، وقد بدت في العتم ككائنات خرافية ، أطل على الأمكنة التي سَكنَت أصوات ساكنيها ، وتراجعت إلى مخادع النوم. ورائي فيروز تغني للمطر. في مكتبتي تتململ قصيدة السياب في مكانها. من منفضة السجائر يصعد خيط دخان السيجارة كأنه شهيق أمنية تأخر مجيئها ، وفي البال ثمة امرأة ، مثلي ، تماماً ، تحب المطر. ربما هي المطر. قالت إن اسمها جاء من الخصب ، وانحدر من النماء. أقفلت نافذتي ورائحة الماء ، في الريح ، تسلّم على ولد الشًّعر في دمي. استرخيت على كرسيي ، وأغمضت عينيّ ، ورحت أفكر:
ذاتَ شعْر رأيتُ ولد الغيم يعانق بنت الغيمة ، واشتهاؤه مزاج المدى الشتوي على إيقاع الريح ، وهي تحوم في انسياب الفضاء. يدْفن رأسه في صدرها ، مكلَّلاً باشتياقه الذي عمَّدته خيول المجرّة بصهيلها الذي ما انفك يركض ـ كمُهْرْ حرون ـ في أقاصي المسافات. رأيتُ البرق شهيق عاشقيّن ، يلْعج في سماء السماء ، ورأيت المطر رضاب عشق يطيح: ذكراً يهوي باتجاه أنثى التراب. وا لهفَ روحي.. رأيتهما يتعانقان ، تماماً ، مثلما عانقَ ولدُ الغيمً بنتَ الغيمة. امتزجا ، صارا شيئاً واحداً ، صارا حالة حكاية حب كوّنية ، بينما شاعر ـ ههنا ـ يردد:
"ولد على نهد الرعونة يرضع الإغواءَ:
يركض ، الآن ، تحت المزاريب ،
ممتشتقاً صهيلَ الماء
في كفيهً:
يعتلي شجراً تَسَلَّقَ ، للمدى ، دَرَجَ الهواء ،
ويعلن روحَهُ
شبّاكَ أمنية لها ، في الغيم ،
ما باح الفضاء".
في المطر ، نقف أمام ذواتنا ، من دون رتوش ، كأننا وُلدنا للتوّ. يصير المطر مكاننا. تصير أمكنتنا الأخرى أخوتنا ، في الحنين. يصير المطر مرايانا. في المطر نصير عراة إلا من إنسانيتنا ، تلك التي ترتد إلى بدائيتها الأولى. يجردنا المطر من تلك القسوة التي أكسبتها لنا تفاصيل اللحظة في زمن السرعة. يدهمنا الإحساس بالبكاء ، فنبكي: الشاعر يبكي: الروائي يبكي: المغني يبكي: الرسام يبكي: السياسي يبكي.. الخباز: النجار: الراعي: المزارع: الأطفال: الكهول: الصبايا: الشباب: الشجر: الحجر: الطير. نترك كل مشاكساتنا وراء ظهر الكلام ، ونبكي: كلنا نبكي ، لكن ما من أحد يعلم ـ عن بكاء الأخر ـ شيئاً. نبكي لأننا نمسك ، في تلك اللحظة ، بناصية انعتاقنا: المطر انعتاق: الانعتاق مطر. نبكي لأننا نرتد لإنسانينا الأولى ، التي تشبه قصيدة صافية: نبكي لأننا ـ في المطر ـ نتذكر ، نحنّ ، نشتهي ، نحب ، نجوع ، نعطش: نبكي لأننا ـ في المطر ـ نصير شعراء أكثر مما ينبغي: نبكي لأننا نصير حقولاً بذارها لم تنب بعد.. لأننا نصير شجراً براعمه تشتهي الاخضرار.. لأننا طيور تود أن تحمل ، بمناقيرها ، قطرات الماء للعاطشى: نبكي لأن بكاءنا ـ في المطر ـ غناء.
يهطل المطر ، فتفرّ أرواحنا كما لو أنها طيور حبيسة ، تبتغي كرنفال الماء ، ترتعش في خضمه ، وهي تصيح من فرط لذعة التجدد ، والولادة ، فنحن نولد من جديد في الشتاء ، إذ يعمدنا المطر ـ كل عام ـ من جديد ، حيث يغسل عروة الروح وناصية القلب: حيث ترتعش البيوت ، وقد ذاب الغبار وسَحَّ ـ عن أكتافها ـ الغبار. تتمطى الشوارع. تتثاءب الأرصفة. تنتعش الأشجار. زجاج النوافذ يصبح شفافاً كقلب عاشق. تنتشي الطيور. يهلل كهل يتوكأ بعصاه. تذرف امرأة دمع الحنين للغائب. ترمي عاشقة وردة القلب للحبيب. يفتح عاشق صدره لزخّات المطر. يركض الشعراء ، من دون مظلات ، إلى سوناتا المطر: يصيرون كأطفال لكن بقصائد كبيرة. في المطر نصبح أكثر قرباً من قلوبنا التي لن تكذب ، في تلك اللحظة.
أقف إلى نافذتي ، مرة أخرى. استجدي ساعي الريح أن يأتني بخبر المطر ، فأعود إلى كرسيي وأغمض عيني ، من جديد ، فأراني أثمل بالشعر:
"غيمّ على سَهو المدينة
يركض ، الآنَ ،
يحمل ، في قراطيس الفصول ، تخاتُلَ الدحْنون:
نوتاتً زَهوْ للتراب.
برقّ على حَدًّ الحقيقةً يعزف للتلالً
سوناتا الإضاءةً:
يعلن غايةَ الماء.
مايسترو يُشيْع ، الآن ـ في دمنا ـ الأغاني
خضراء
خضراء ، أغنية الشتاء
صفراء ، أغنية اليباب".






رد مع اقتباس