ما تبقى من جبران خليل جبران
سامي مهدي
* الدستـور الاردنيـة
اعتدت ، في خريف كل عام ، أن أجري تصفية في مكتبتي الشخصية لأستبعد منها ما لم تعد بي حاجة إليه ، وأفسح مجالاً للكتب الجديدة. وقد بكرت قليلاً بالتصفية ، في هذا العام ، فلم أجد مما يمكن استبعاده سوى القليل ، ومن هذا القليل كُتبُ جبران خليل جبران. ولكنني ترددت ، هذه المرة ، في استبعادها ، كما في مرات سابقة ، ثم حسمت أمري ، أخيراً ، وقررت ، آسفاً ، أن أستبقي ما لدي من مؤلفات عن جبران ، مع كتابيه: "النبي" ، و"المجنون" ، وأودعه وأودع كتبه بهذا المقال.
معروف أن جبران خليل جبران 1883( ـ )1931 أديب وشاعر ورسام لبناني هاجر إلى الولايات المتحدة مع أمه وأختيه وأخيه من أمه عام 1895 ، وأقاموا جميعاً في مدينة بوسطن ، ثم انتقل من هذه المدينة ، في ما بعد ، إلى نيويورك ، وفي عام 1920 أسس هناك ، مع سبعة من أصدقائه أدباء المهجر ، رابطةً أدبيةً سميت بـ(الرابطة القلمية). ويذكر كتاب سيرته أنه كان ، قبل انتقاله من بوسطن ، قد تعرف إلى امرأة أميركية تدعى ماري هاسكل. وكانت هذه المرأة تكبره بعشر سنوات ، ولكنها أعجبت به وأعجب بها ، فنشأت بينهما صداقة حميمة استمرت حتى وفاته ، فكان لها دور حيوي في حياته. فقد تعهدته بالرعاية والمحبة منذ أن تعرفت إليه ، وشجعته على دراسة فن الرسم في باريس على نفقتها ، وخصصت له مبلغاً شهرياً قدره 75 دولاراً ، فسافر إلى هناك ، ومكث ثلاث سنوات. ولكن يبدو أن دراسته لم تكن منتظمة ، إذ دخل ، حسب بعض الروايات ، ثلاثة معاهد لتعليم الرسم ولم يكمل دراسته في أي منها. فعاد من دون شهادة ، ومع ذلك ظلت هاسكل تدفع له ذلك المبلغ من دون انقطاع ، واستمرت في دفعه حتى بعد انتقاله إلى نيويورك ، بل هي لم تقطعه عنه حتى بعد انتفاء حاجته إليه. أما على صعيد الكتابة فقد بدأ التأليف باللغة العربية ، ونشر فيها من الكتب: "الموسيقى" ، و"عرائس المروج" ، و"الأرواح المتمردة" ، و"الأجنحة المتكسرة" ، و"دمعة وابتسامة" ، و"المواكب" ، و"العواصف" ، و"يسوع ابن الإنسان" ، و"رمل وزبد". ولم يبدأ التأليف باللغة الإنكليزية إلا في أواخر عام 1917 ، فكتب: "المجنون" ، ثم "السابق" ، ثم "النبي" ، ثم "حديقة النبي" ، ثم "التائه" ، ونشر هذا الأخير بعد وفاته.
إذا تحدثنا عن جبران خليل جبران الرسام فيمكننا تقسيم رسومه إلى قسمين: الرسوم الشخصية (أي البورتريهات) ، والرسوم الخيالية (أي اللوحات والتخطيطات). وقد لا نكون مؤهلين تأهيلاً فنياً للحكم على رسومه ، ولكن في وسعنا القول ، باطمئنان ، إنها لم تكن على درجة من الفن والإبداع والفرادة ، بحيث تضعه في مصاف الفنانين المرموقين ، في أميركا أو غيرها. وكان رسمه البورتريهات وسيلة يعتاش منها. ويذكر ميخائيل نعيمة في كتابه "جبران خليل جبران" أن جبران أخبره بأنه كان يرسم البورتريه الواحد بمبلغ يتراوح بين 50 و 200 دولار. وكان يحاول ، ما استطاع ، التقرب من بعض مشاهير عصره ورسمهم ، ليذيع له صيت وتكون لفنه مكانة. وبالروح نفسها رسم تخطيطات لبعض أعلام التراث العربي مثل: أبي نؤاس ، والمتنبي ، ومجنون ليلى ، وديك الجن الحمصي ، والغزالي ، وابن الفارض ، وابن سينا ، وابن خلدون ، وهي تخطيطات لا يعتد بها ، لضآلة قيمتها الفنية ، فهي أشبه بالتخطيطات الاستهلاكية ، التي تنشرها الصحف ، لهؤلاء الأعلام وأمثالهم. أما رسومه الخيالية فمن الواضح أنه تأثر ، في أغلبها ، برسوم الشاعر الإنكليزي وليام بليك في كتابه "أغاني التجربة وأغاني البراءة". ولعل هذا ما جعله يزين بعض كتبه ببعض رسومه. فقد نقل عنه أنه سمع ببليك من النحات الفرنسي رودان ، أيام إقامته في باريس ، وذلك عندما زاره في محترفه مع مجموعة من طلبة الفن وأساتذته. فأعجب ببليك من حديث رودان ، وأراد أن يعرف المزيد عنه ، وحين حظي بكتاب عن حياته عكف على قراءته وتأمل رسومه فزاد إعجاباً به. غير أن هناك رواية أخرى قد تنقض هذه الرواية ، جاء فيها أن جبران تعرف ، في بوسطن ، إلى رسام يدعى (داي) ، أعاره كتاباً يضم رسوم بليك فأعجب بها ، وتأثر بتقنيتها.
أما أدب جبران المؤلف باللغة العربية فقد تجاوز الزمن أغلبه ، في الأقل. وقراءته اليوم قد تنفع القارئ العادي ، وقد يعجب هذا القارئ بما فيه من مقالات وقصص وحكايات ومحاورات وأمثال ومواعظ وحكم مكتوبة كلها بلغة سهلة رشيقة ومكثفة ، ولكن لم يعد في هذا الأدب ما يغني القارئ المعاصر المثقف ، والأديب المتكون الناضج. وليست هذه دعوة إلى مقاطعته بل تذكير بحكم الزمن عليه. فقد كان هذا الأدب مهماً ومؤثراً ، في زمنه فحسب ، كان ثورة على الجمود والتقليد في فكره ولغته وتنوع أشكال كتابته ، كان مدخلاً من مداخل الأدب العربي إلى الحداثة ، في رأي الباحثين ، وكان المشرق العربي يستقبله بترحاب كبير ، ويجد فيه نفحات جديدة باهرة. وكثير من مدرسي المدارس المتوسطة والثانوية كانوا يوصون تلاميذهم بقراءته ، وظلوا كذلك عقوداً من الزمن. أما اليوم فلم تعد له هذه الأهمية ولا هذا التأثير. وهذا يعني أن قيمته تاريخية ، مرحلية ، شأنه شأن سائر أدب المهجريين. وربما لهذا السبب رأى الدكتور خليل حاوي ، في كتابه "جبران خليل جبران في إطاره التاريخي وشخصيته وآثاره" أن حياة جبران تستدعي التعليق أكثر مما يستدعيه نتاجه. ولكن الشاعر أدونيس وصف أدبه ، في الجزء الثالث من كتابه "الثابت والمتحول" ، بأنه أدب (رؤيوي) و(هدمي) ، لما فيه من دعوة إلى تغيير الإنسان والحياة وطريقة التعبير ، في حين أن شاعراً كتوفيق صائغ كان له رأي آخر فيه ، إذ قال في مقدمة دراسته عن علاقة جبران بماري هاسكل: "لست من المولعين بالنتاج الجبراني ، لا بالناحية الشعرية فيه ولا الأدبية ولا الفكرية ولا الفنية ، وأرى أن الاطلاع عليه ، وربما التمتع به ، في طور مبكر من أطوار حياة المرء ، هو عارض لا بد أن يصاب به ، ويضحي بعده بمنجاة من تكرره". أما نحن فنكاد نكون مع هذا الرأي جملة وتفصيلاً.
ويتفق أغلب الباحثين على أن كتاب "النبي" أهم كتب جبران. وقد ألفه بالإنكليزية ، كما ذكرنا ، وبدأ تأليفه عام 1919 ، وأكمله ونشره عام 1923 ، وكان ثالث كتاب يؤلفه بهذه اللغة ، إذ سبقه كتاب "المجنون" ، وكتاب "السابق" ، وتلاه كتاب "حديقة النبي" ، ثم كتاب "التائه" ، الذي نشر بعد وفاته. ويذكر ميخائيل نعيمة أن جبران غيّر عنوان كتاب "النبي" أربع مرات قبل نشره ، وكان يعتز به ويعده "حياته وولادته الثانية" ، وزينه بعشر لوحات مائية وتخطيطين بقلم الرصاص. وقد ساعدته ماري هاسكل في تصحيح لغته ، وتقويم عباراته وسبكه. ويقول توفيق صايغ إن قلم هاسكل الأحمر تناول هذا الكتاب "فصلاً فصلاً ، ومرحلة مرحلة ، حتى عندما أصبح في طور الملازم المهيأة للطبع". وكان هذا هو شأنها في كل ما ألفه جبران بالإنكليزية وفي ما ترجمه من كتاباته إليها. وقد ترجم هذا الكتاب إلى العربية ترجمات عدة ، آخرها تلك التي صنعها الشاعر العراقي الراحل سركون بولص.
ولكن المفاجئ ، في هذا الكتاب ، أن بعض الأوساط الدينية والتربوية ، في أميركا ، استقبلته بحفاوة كبيرة ، إذ وجدته حافلاً بالمواعظ والحكم التي تنفع عامة الناس ، وخاصة الناشئة منهم. فتبنته وأدخلته في برامجها ومكتباتها. ولعل مما حببه إليها لغته البسيطة وقوالبها اللفظية التوراتية المستعارة من ترجمة الملك جيمس للكتاب المقدس. ولم يلبث الكتاب أن انتشر ، ثم لم يمض وقت طويل حتى صار يطبع بملايين النسخ ، وما يزال كذلك حتى اليوم ، بحسب بعض المصادر. ولكن ميخائيل نعيمة يذكر أن الدعاية هي التي ساعدت جبران في رواجه. وكان جبران ، في رأيه ، يتقن الدعاية لنفسه ولا يدخر وسعاً فيها. وعقد فصلاً من كتابه عن السبل التي كان جبران يسلكها في الدعاية لنفسه. ولكنه عاد فقال "إن كتاب النبي ، وإن ساعدته الدعاية ، ليس من الكتب التي لا تعيش إلا بالدعاية ، ولا من الكتب التي تموت على دواليب المطابع ، فلا تحييها لا الدعايات ولا الإعلانات ، بل إن فيه ، من عصير الفكر الصافي ، ومن وهج الخيال المتوقد ، ما يكفل له حياة مترامية الأطراف ، متعددة الأصداء ، موفورة بالسنين". ونظراً لما حظي به الكتاب من تقدير وشهرة في أميركا ترجم إلى العديد من اللغات ، ويذكر بعض المصادر أنه ترجم إلى أكثر من أربعين لغة ، إلا أنه كان ، وما يزال ، يصنف ـ عند غير العرب ـ ضمن الكتب الدينية ، لا الأدبية.
ويبدو أن جبران ، الذي لاحظ نجاح كتابه في أميركا ، فكر بتأليف كتابين آخرين على غراره. فقد صرح لنعيمة أن كتاب النبي كان عن علاقة الإنسان بالإنسان ، وأنه يفكر في تأليف كتاب آخر عن علاقة الإنسان بالطبيعة ، عنوانه "حديقة النبي" ، وكتاب ثالث عن علاقة الإنسان بالله ، عنوانه "موت النبي" ويجعل من الكتب الثلاثة سلسلة متكاملة. غير أن الظروف لم تسمح له ـ في ما يبدو ـ إلا بتأليف كتاب "حديقة النبي" (الذي ترجمه ثروت عكاشة في ما بعد) ومات قبل أن يكمل مشروعه.
غير أن للنقد وجهة نظر أخرى في كتاب "النبي". فهو تقليد فج لكتاب "هكذا تكلم زرادشت" ـ كتاب الفيلسوف الألماني المعروف فردريك نيتشه 1844( ـ 1900). ذلك أن شخصية نيتشه قد استحوذت على جبران منذ أن اطلع على كتابه ، وصار يرى أن هذا الكتاب "من أعظم ما عرفته العصور". ويقال إنه استعار ترجمته الإنكليزية من أمين الريحاني ، فلازمه الكتاب طوال المدة المتبقية من حياته ، وصار ينصح أصحابه ومعارفه بقراءته. وأول ما دل على تأثره العميق بنيتشه مقاله "حفار القبور" ، فقد تحدث فيه إلى الناس ، ووبخهم ، كما فعل نيتشه في كتابه ، على لسان زرادشت. ويمكن عدّ كتابيه: "المجنون" ، و"السابق" تمهيداً لكتابه "النبي" ، وصورتين من صوره. إذ افتتح كتابه "السابق" ، مثلاً ، بعبارة (أنت سابق نفسك) ، وهي ـ في الأصل ـ عبارة تفوه بها زرادشت حين قال: "أنا سابق نفسي".
ومثلما اتخذ نيتشه من زرادشت قناعاً له ومتحدثاً بلسانه ، اصطنع جبران لنفسه في كتاب "النبي" نظيراً لزرادشت ، هو المصطفى ، أو المختار. وما هو في الواقع سوى جبران نفسه. وقد قلد مصطفى جبران زرادشت نيتشه في سلوكه وفي خطابه ونبرته ، وقلد جبران كتاب نيتشه في خطته وطريقة بنائه ، وتناول الموضوعات التي تناولها ، من مثل: الخير والشر ، والعقل والعاطفة ، والدين والشريعة ، والجريمة والعقاب ، والجمال ، واللذة ، والزواج ، والأبناء ، والصداقة ، والحرية ، والموت ، وغيرها. ولكن شتان بين الأصل والتقليد ، وبين الفيلسوف والمقحم نفسه على الفلسفة. ويرى ميخائيل نعيمة أن جبران تقيد بشكل كتاب نيتشه الإجمالي دون أفكاره ، وهذا صحيح من حيث التفاصيل ، أما الفكرة العامة للكتابين فهي واحدة ، في الواقع ، فجبران حاول تقليد نيتشه في نقد العادات والتقاليد والأفكار والعقائد السائدة والبحث عن الإنسان الأكمل ، الإنسان المتفوق ، ووجده ـ في ما يبدو ـ في إنسان الإنجيل الأول. ومع ذلك قال نعيمة: "لو أن جبران وقف في ذلك الزمان أمام المرآة ، وتفحص نفسه ، لوجد أن الجبة التي استعارها من نيتشه لم تكن (تلبق) له ، لأنها لم تفصل لكتفين ككتفيه ولا لقامة كقامته ، فلا مزاج نيتشه مزاجه ، ولا إرادة نيتشه إرادته". ونحن نظن أن نعيمة كان محقاً في هذا القول.
وبعد فهناك من يرى ، في كتاب "النبي" ، مجموعة من القصائد النثرية ، ويجعل هذه القصائد أصلاً من أصول ما سمي بـ(قصيدة النثر العربية). غير أننا لا نرى في هذا الكتاب سوى مجموعة من المواعظ والتعاليم الدينية والأخلاقية ، وإذا كان فيها شيء من الشعر فقد أفسدته النبرة الخطابية والصياغات الوعظية. ونظن أننا لا نغالي إذا قلنا: إن جبران مفكر اجتماعي نهضوي ، أكثر منه أديباً أو شاعراً. ويبدو ـ على نحو ما ـ أنه كان يتوهم في نفسه نوعاً من النبوة ، ويتصور أنه أحد مبعوثي العناية الإلهية لهداية "الخراف الضالة" ، وإنقاذها من محنتها البشرية. ولكنه ذهب ودعوته كما ذهب نيتشه وغيره ، وبقي الأنبياء هم الأنبياء في عقائد الناس.






رد مع اقتباس

