53% منها يكون الجاني فيها على صلة قرابة
صدمة عنيفة، غضب، حزن، دموع، رغبة قوية في أن تحتضن الأم ابنها الصغير وتخبئه بين ضلوعها لتحميه من شرور العالم.. بالتأكيد تلك هي مشاعر أي أم عندما يخبرها طفلها الخائف بأن هناك من يعبث بجسده الصغير.. إنه التحرش الجنسي بالأطفال، الوحش الذي يغتال براءة الأطفال ويسرق الابتسامة الطاهرة من وجوههم.. والبعبع الذي يخشى كل أب وكل أم أن يواجهوه مع أطفالهم.
ولكن.. ماذا عن مشاعر الطفل الصغير ــــــ ليس فقط تجاه من يغتال براءته ولكن تجاه العالم ككل؟ كيف ستكون حياته في المستقبل هل ينسى هذا الموقف ويعبر إلى بر الأمان؟ أم أنه جرح غائر في بنيان شخصيته سيلازمه مدى الحياة؟ وهل سيشعر الطفل بالأمان مرة أخرى بعد أن تعرض لهذه التجربة الخطيرة، خصوصاً أن نسبة كبيرة من حوادث التحرش تتطور إلى الاعتداء الجنسي على الأطفال وتنتهي بقتلهم.
خلال الفترة البسيطة الماضية خرجت علينا الصحف العربية حاملة معها عدداً من الحوادث المتتالية التي هزت المجتمع، فهذا المدرس الذي اغتصب التلميذ الصغير في المدرسة لعدة أيام متتالية وذلك الطالب الذي تحرش به زملاؤه وحاولوا الاعتداء الجنسي عليه، وهنالك المدرس الذي اعتاد على هتك عرض طالباته الصغيرات بشكل مستمر في الفصل وأثناء الشرح، وغيرها من جرائم التحرش الأخرى.
التعريف العلمي للتحرش
ولكي نتعرف بشكل أوضح على أبعاد المشكلة، يجب أن نعرف أولاً التعريف العلمي والقانوني للتحرش الجنسي والذي تم تعريفه بأنه «أي إثارة يتعرض لها الطفل أو الطفلة عن عمد ويؤدي إلى استثارته أو استثارة الشخص المتحرش وذلك بلمس أعضاء الطفل الجنسية أو إجباره على لمس أعضاء المتحرش ليصل إلى المتعة الجنسية أو بتعريض الطفل لمشاهد جنسية فاضحة عن طريق الرؤية أو الاستماع وحثه على الممارسة والتقليد أو تعليمه عادات سيئة كالاستمناء ووصولاً إلى الاعتداء الجنسي المباشر على الطفل سواء بطريقة طبيعية أو شاذة».
ومن المعروف أن جريمة التحرش الجنسي بالأطفال هي جريمة عالمية، لكنها للأسف تنتشر في مجتمعاتنا العربية، حيث توصل خبراء معهد الدراسات العليا للطفولة بجامعة عين شمس في القاهرة إلى أن حوادث الاعتداء الجنسي على الأطفال تمثل 81% من إجمالي الحوادث المتنوعة التي يتعرض لها الأطفال في مصر، والأسوأ كما جاء في الدراسة أن نسبة 53% من هذه الحوادث يكون الجاني فيها على صلة قرابة بالطفل وهو ما يزيد من سوء الوضع النفسي للطفل المتحرش به.
مسببات المشكلة
توجهنا إلى الباحثة الاجتماعية داليا السعيد وسألناها عن أسباب انتشار هذه الجريمة أخيراً، وهل هي بالفعل بذات الحجم أم أن الإعلام يصنع بها فرقعة إعلامية؟ فقالت: المشكلة بالتأكيد موجودة وليست مشكلة الإعلام، وإذا نظرنا إلى الأمور من هذه الزاوية نصبح كمن يلوم الشرطة على إلقائها القبض على السارق، وإن كان ذلك لا ينفي مسؤولية الإعلام عن جانب مهم في المشكلة وهو الجانب التحريضي، فمما لا شك فيه أن هناك تأثيراً كبيراً لما يبثه الإعلام لقنوات فضائية كثيرة من عري وفيديوهات خادشة للحياء وانتشار قنوات الجنس كل ذلك لم يكن متاحاً في الماضي، ولكن وجوده حالياً أحدث حالة من الشره الجنسي لدى الشباب وفتح عيون الأطفال على كثير مما لا يجب عليهم معرفته في سن صغيرة، فكثيراً ما يدفع الطفل الفضول إلى تقليد ما يراه؛ لذا نرى حالياً تحرش أطفال بأطفال أصغر منهم سناً أو في مثل عمرهم ولكن أضعف جسدياً.
غياب الرقابة
كذلك من العوامل المهمة غياب الرقابة الأسرية على الأطفال والتفكك الأسري الذي زاد بسبب انتشار الطلاق أو لانشغال الوالدين بالعمل وعدم تخصيصهم للوقت الكافي لأبنائهم بدعوى الحصول على المال اللازم لرفع مستوى الأسرة المادي ولكنهم في مقابل ذلك يتنازلون عن مستوى الأسرة المعنوي وترابطها ورعايتها لأبنائها.
تضيف: من المشكلات التي واجهتها في هذا السياق كانت إحدى الأسر التي يعمل فيها الأب والأم لفترات طويلة وتعويضاً لغيابهما كانا يقومان يومياً بتوصيل أطفالهما إلى النادي الراقي صباحاً ويعودان لاصطحابهما ليلاً، تاركين الأطفال مع أصدقائهم من دون أي رعاية على مدار اليوم طوال فترة الإجازة الصيفية ولا يتخيل أحد كم الانفلات الأخلاقي الذي تعرض له الأطفال، فهناك مدرب السباحة الذي اعتاد التحرش بالطفلة وهناك الأطفال الذكور الذين اعتادوا الممارسة الشاذة معاً.
ويندرج ذلك مع فخ آخر تقع فيه الأسرة وهو فخ الثقة الزائدة بالآخرين حتى ولو أقرب الأقربين فقد يحدث التحرش أحياناً من العم أو الخال أو حتى الجد أحياناً، خاصة عندما تصل به الشيخوخة إلى حالة الخرف فقد يقدم على أفعال لا يدركها مثل التحرش بأحفاده ولا يعني هنا أن نمارس الشك على الجميع، ولكن أن تكون الأم بشكل خاص لديها من الوعي والإدراك وقوة الملاحظة ما تحمي به أبناءها، فعلى سبيل المثال يجب أن يثير شكوكها محاولة الانفراد بطفل في غرفة مغلقة أو الإصرار على جلوسه بين قدمي شخص كبير أو تقبيله بشكل مبالغ فيه والحرص ليس من الرجال فقط بل أحياناً من السيدات أيضاً، فكثيراً من العاملات المنزليات يتحرشن بالأطفال سواء كن إناثاً أو ذكوراً ويشجعهن على الممارسة الجنسية سواء للسيطرة عليهم أو للمتعة.
كذلك يحدث كثيراً التحرش من السائقين العاملين مع الأسرة أو في أتوبيسات المدرسة، وكما لاحظنا في الفترة السابقة كثرة حوادث التحرش حتى في المدرسة ومن المدرسين وإن كان يحدث في الماضي بالفعل تحرش من المدرسين، ولكنه كان يحدث في الدروس الخصوصية التي ينفرد فيه المدرس بالطفل في حجرة منفصلة، أما الآن فنراه يحدث في اليوم الدراسي وهو ما يقودنا إلى عامل آخر لا يقل أهمية عما سبق وهو أهمية الصراحة بين الطفل وعائلته، فقد يتعرض الطفل بالفعل للتحرش، ولكنه يخشى من إخبار عائلته حتى لا يتعرض للعقاب مما يعرضه لتكرار التحرش والوقوع أكثر تحت سيطرة الجاني وللأسف في حالات كثيرة تولد كثرة التحرش لدى الطفل اعتياداً على هذا الشعور وحبه ليصبح هو الآخر بعد فترة باحثاً عنه مع الأطفال الآخرين؛ فيصبح متحرشاً هو الآخر ويلازمه هذا الأمر بقية حياته وكثيراً ما يصبح الطفل شاذاً في ميوله الجنسية بسبب هذا التحرش.
لذا يجب على الأسرة توضيح بعض المفاهيم للطفل والتأكيد على أهميتها مثل تعريفه بأجزاء جسده التي لا يجب كشفها أو لمسها من أي شخص وكسر حاجز الخوف لديه من التعامل مع الآخرين إذا كثيراً ما يشعر الطفل بالحرج من صد المتحرش به؛ لأنه أكبر منه سناً أو لقرابته له وخوفه منه، كذلك يجب تقوية الوازع الديني للطفل حتى لا ينجرف مع الآخرين في سلوكيات مشينة مثل ما هو منتشر هذه الفترة من تداول الأطفال الصغار لكليبات جنسية على هواتفهم المحمولة بعد أن صارت هذه الهواتف متاحة بدرجة كبيرة مع الأطفال.
جميع الطبقات
لكن.. هل ينتشر التحرش بالأطفال في طبقة اجتماعية معينة عن غيرها أو هو محدد بسن معين؟ تقول الباحثة الاجتماعية: ليس هناك تحديد لطبقة اجتماعية عن غيرها فنجده يحدث بين الأطفال المشردين في الشوارع أو العمالة من الأطفال، خاصة بين الذين يعملون في المهن الشاقة، كما يحدث أيضاً في أطفال الطبقات الراقية، كما أنه غير محدد أيضاً بسن معين قد يكون الفارق الوحيد أنه يحدث مع الأطفال الإناث بنسبة أكبر من حدوثه مع الأطفال الذكور.
أعراض معينة
توجهنا إلى د. هبة الشهاوي أستاذ مساعد طب نفس الأطفال، وسألناها عن أعراض معينة تظهر على الطفل جراء تعرضه للتحرش يجب على الأسرة مراعاتها، فقالت: بالفعل وقوع التحرش الجنسي والذي غالباً ما يتبعه اعتداء جنسي على الطفل يحدث لديه اضطراب نفسي كبير وشعور بالذنب وهذا غير الأعراض الجسمانية التي تبدو ظاهرة في حالة الاعتداء الجنسي، وكل ما يلزمه الأمر من الأسر هو المتابعة والملاحظة بدقة، ففي حالة الاعتداء الجنسي يجب أن تلاحظ الأم أي بقع دموية على ملابس الطفل الداخلية أثناء تغييرها لملابسه أو على فراشه، كذلك كثرة الشرود والصداع وقضم الأظافر، وقد يواجه الطفل لأول مرة في حياته مشكلة التبول اللاإرادي والتي تعد من العلامات الواضحة لوجود مشكلة نفسية لدى الطفل، كذلك انخفاض مستواه الدراسي بشكل ملحوظ وانعزاله عن أصدقائه وعائلته وغالباً ما يبتعد الطفل عن نشاطاته وهواياته على غير عادته، كذلك من الأعراض الواضحة مشكلة اضطراب النوم وكثرة الكوابيس، فالطفل يواجه معاناة نفسية أكبر من قدراته الاستيعابية، خاصة إذا كان الجاني من أقاربه الذين من المفترض أن يكونوا محل ثقته وأنهم من يحمونه فتنقلب لديه المفاهيم والاتجاهات وإذا لم تتنبه الأسرة لهذه المشكلة فغالباً يتحول الطفل إلى حياة الانحراف وخاصة الجنسي وغالباً ما يدخل في دائرة الإدمان أو الإجرام.
عمر الطفل ووقوع التحرش
وحول العلاقة بين عمر الطفل ووقوع التحرش له، قالت: يحدث التحرش أحياناً لأطفال صغار أقل من خمسة أعوام وفي هذه الفترة يكون إدراك الطفل لما يحدث له بسيطاً، خاصة إذا لم يتطور إلى الاعتداء الجنسي وفي هذا العمر يحدث التحرش من أقرب الناس للطفل مثل الخدم أو الأقارب والجيران، أما بعد هذه السن ووصولاً إلى الثانية عشرة من العمر فالطفل يخرج إلى العالم بخروجه إلى المدرسة ويتسع نطاق اختلاطه بالآخرين فيدخل في الدائرة السائق والمدرس أو المشرفة أو الدادة أو الأصدقاء في المدرسة أو الأطفال الأكبر سناً منه وهو في هذه السن يعي ما يحدث له ويستطيع المقاومة أو الوقوع تحت طائلة الترهيب، ولا يتوقف التحرش عند هذه السن فقط بل يستمر حتى وصول الطفل إلى البلوغ ويتوقف رد فعله وتعاطيه مع الموضوع على تربيته وثقافته ووازعه الديني؛ لأنه في تلك السن يستطيع التفريق بين الحلال والحرام ولكنه قد يقع في فخ التجريب أو محاولة اكتشاف متعة جنسية بدأ جسده يشعر بها أو تقليد ما شاهده من مشاهد إباحية تنتشر، خاصة على الانترنت وفي هذه النقطة أحب أن أنبه على خطر كبير فى استخدام الأطفال للانترنت.
التحرش عن طريق الانترنت
وبسؤالها عن إمكانية حدوث تحرش للأطفال عن طريق الانترنت، قالت أستاذ مساعد طب نفس الأطفال: بالفعل يحدث هذا كثيراً، فالمعروف الآن أن كثيراً من المدارس تطلب من الأطفال القيام بأبحاث عن مواضيع تعليمية يلزمها إجراء بحث على الانترنت وكثيراً ما يدخل الأطفال مواقع الشات أثناء بحثهم عن المعلومة أو تقليداً للكبار وللأسف كثيراً ما يدلي الطفل بمعلومات صحيحة عن نفسه وعن مدرسته وعائلته.. فضلاً عن أن الكثير من المتحرشين الكبار في السن يستدرجون الطفل ليعرفوا منه هذه المعلومات ثم يهددون الطفل بأنهم سيحضرون له في المنزل أو في المدرسة أو بأنهم سيبلغون الأهل إذا لم يستمر في التجاوب معهم أو باستدراج الطفل إلى التصوير بالكاميرا وهو يتعرى مثلاً ثم تهديده بعد ذلك بهذه الصور إذا لم يتجاوب مع المتحرش، ومن هنا تأتي خطورة أن يكون الكمبيوتر مع الطفل في غرفة مغلقة بل يجب أن يستعمل الطفل الكمبيوتر في مكان مفتوح حتى تستطيع الأم مراقبته.





رد مع اقتباس



