الرحيــل إليهـــا
قصـة فيصــل خرتــش
* الثـورة الســوريـــة
وفيها يكتب عصام الأهوج قصة حكايته ، مع الأسباب التي أوصلته إلى هنا .
الساعة الثانية عشرة ظهراً .
كلهم مجانين ... أنا لست بمجنون ، اليوم هو السبت الذي يأتي بعد الجمعة ، وغداً هو الأحد الذي يأتي بعد السبت ، ثم يوم الاثنين ، فالثلاثاء إلى آخر الأسبوع . هم بدؤوا بإشاعة جنوني من أجلها ، لقد أغرتهم بالمال والجمال وبأشياء أخرى لا مجال لذكرها الآن ، خاصة وإن الرقابة تقف لنا بالمرصاد ، أفضل أن أكتب كل الذي حصل معي هنا واليوم ، الساعة الثانية عشرة ظهراً ، أمّا لماذا في هذه الساعة ، فلأنهم تعبوا من الإشراف علينا ، وتعبوا من القيل والقال ، فبدأت عيونهم تتكاسل وتغفو وقد تكون قد ارتخت تماماً .
وهكذا وضع عصام الأهوج عدّة أوراق كان قد خبأها في صدره ، وقلم رصاص ، كان بحاجة إلى مبراة كي يكون صالحاً للاستعمال ، واستعد للكتابة جالساً فوق سريره العطن والبقع الصغيرة ، استسلم قليلاً للذكريات ثم هرش شعره القصير وأسند رأسه إلى الوسادة ، ثم راح يفكر في ماذا سيكتب .
وصل عصام الأهوج إلى هنا بناء على استشارة طبيب ، فقد ادعَّت أنها مريضة ، ولا تستطيع أن تفعل شيئاً ، وأن حرارة جسمها قد ارتفعت بشدة ، وأنها بحاجة إلى طبيب ، إلى ما هناك من هذه المقدمات التي توصل إلى الطبيب ، ثم قام الرجل ، المقصود عصام الأهوج، وجلب لها سيارة إلى باب البيت التي انطلقت بهما إلى عيادة الطبيب ، وعند الطبيب، قال عصام الأهوج ، انظر في حالتها ، إنها تبكّي الحجر ، فقام الطبيب إلى الغرفة الثانية ، حيث أخذها معه ، وهناك تفاهما على الموضوع وانتظر زهاء ساعة حيث جاء أربعة رجال أشداء، وثقوه بما يرتديه ، وحملوه إلى السيارة التي انطلقت تصفر إلى هنا .
بدأت المشكلة عندما تكرّر غيابها عن المنزل ، ولمّا سألها عن ذلك ، قالت إنها كانت عند صاحبتها « سمر « ، وإن كنت لا تصدقني اتصل بها ، وماذا سيفعل إن اتصل بها هل سيقول لها ، إنّ كانت زوجته عندها ، ثم إنه لا يعرف « سمراً « هذه ولا غيرها ، يسمع أن لها صديقات ، ولكنه لم يلمح واحدة منهن ، حتى عندما يزرنها تجلس وإياهن في غرفة الاستقبال ولا تجعله يراهن ، أو تستقبلهن في أوقات الدوام الرسمي ، عندما يكون في مشغله أو في وظيفته .
المرّة الثانية عندما رآها من مدخل البناية ، وحين سألها ، قالت : « أنت لا تحبني ، للأسف أنا تزوجت رجلاً لا يحبني « وحين أثبت لها عكس كلامها ، قالت له : « إذا فلم يشكك دائماً في كلامها ، فإذا قالت إنها كانت عند صاحبتها ، يشك في أمرها ، وإذا قالت إنها عند الطبيب ، كما حصل في المرّة السابقة ، يشك في أمرها ، هذا رغم أنها ذهبت إلى الطبيب ، تسأله عن سبب تأخر الدورة لديها « . هنا أشرق وجه عصام الأهوج وركض إليها يقول ، منذ اليوم أنا سأفعل كل شيء ، ما عليكِ إلا أن تستريحي .
وثالث مرّة عندما دخل إلى المنزل ، وبدل ثيابه ، سمع صوت الباب يغلق ، ركض إليه يستطلع الخبر ، فما وجد أحداً ، فتح الباب فلم يجد أحداً موجوداً ، أسرع إلى زوجته فوجدها أمام التلفاز تشاهد فيلماً ، سألها عن الذي خرج ، قالت ، وهل خرج أحدٌ ، وخاصة أنه رآها بكامل مكياجها ، فمن عادتها أن تضع المكياج بعد أن يأكلا طعام العشاء سوية ، تذهب وتسوي مكياجها ثم تعود لنقل الصحون إلى المطبخ ، وهو بعد أن يغسل يديه وفمه ، يسألها الذهاب إلى النوم ، وتعد له فنجاناً من القهوة ، تأتيه به ليشربه عند الصباح ، قبل أن يذهب إلى عمله.
لم يعلق كثيراً على الموضوع ، ولكن الشك ازداد عنده ، وراح يداهمها في كبسات متتالية ، لكنه لم يحصل على نتيجة ، كانت تسدّ عليه كل الأطراف ، حتى أصبح لديها تلفون خليوي ، تأتيها المخابرة ، فترد عليها بحضوره ، إنّ المخابرة غلط ، لماذا لا تأتيه مخابرات مثل هذه، يقصد غلطاً ، البارحة ، هذا الأسبوع ، هذا الشهر ، اليوم ، لا يدري متى حصل هذا ، فقد جاء إلى البيت في « كبسة « يعني تقول الساعة الواحدة إلا ربعاً سمع صوت حركة في غرفة الاستقبال ، فحاول الدخول ، منعته بحجة إن رفيقتها في الغرفة وأن رفيقتها تتحجب ولا تريد أن ترى الرجال ، ابتلع الموسى على الحدين وصمت ، فما كان منها إلا أدخلت فنجانين من القهوة ، وجلس ينتظر زهاء نصف ساعة فسمع طقة الباب ، كانت أعصابه كوتر مشدود، أسرع إلى باب الدار ، ولكنه وجدها عنده ، حاول أن يخرج فمنعته ، « أتريد أن تتفرج على رفيقاتي ، إنك لم تعد تستحي « ، ومن هنا كلمة ومن هناك كلمة ، ووضع الزيت على الثوم ، وإذا بالشر يقوم ، فسلخها قتلة على وجهها وساقيها ، واجتمعت نساء البناية على بكائها وعويلها ، وأنبته على ذلك ، ويبلاه بكسر يده على هذه الفعلة ، وقد بقيت تلك الكدمات عدّة أيام حتى بعد أن ذهبت إلى الطبيب تداوي إصاباتها . انتهت تلك الفعلة بمصالحة ، فقد ذهب بعد عدّة أيام يسوي إعوجاجه ، ويعتذر وأنه قام بعمل أرعن ، كما سمّاه له والدها ، وقامت أنثاه تعد العدّة للرحيل معه ، لكن والدها أصرّ وألح على أن يكتب لها نصف البيت بحجة أنه لم يعد يؤمن له ، ونزلا في اليوم التالي مع الأب فكتب لها نصف البيت ، وعادا إليه فرحين مسرورين ، ليعشش الحب فوق رأسيهما ، وليمطرا الدنيا بالقبلات الحارة .
وما إن انقضت ثلاثة أيام حتى وجد عندها صديقة من أهل البناية ، إذ تعرفت عليها في اليوم الذي ضريها فيه ، وهي التي قالت : يبلاه بكسر يده ، هذه المرأة أصبحت صديقتها الروح بالروح ، فكلما دقّ الكوز بالجرّة ، تكون عند صديقتها أو أسأل فلانة أين كنا ، وفلانة هذه كانت تعيش وحيدة ، لا تزور أحداً ولا يزورها أحد ، إلا صديقتها هذه التي تسكن معها في ذات البناية ، لقد تغيّر لبسها وتغيرت زينتها ، وتغيرت مشيتها ، وطلعتها ودخلتها ، من يوم أن تعرّفت على هذه الصديقة ، صارت أنثى أخرى غير التي تزوّجها عصام الأهوج .
البارحة ، أو يوم أمس ، وصلت متأخرة ، دقّ لها على الهاتف النقال لم تجب ، ربما أغلقته ، عندما وصلت ، قالت إنها لم تسمع للهاتف النقال صوت ، يجوز أنها وضعته في حقيبتها ، وطبعاً قالت إنها ذهبت لعند الطبيب هي وصديقتها ، وإن لم تصدق خذ الهاتف وأسألها ، وحين طلب الطعام ، قالت لا يوجد ، بإمكانك أن تحضر شيئاً من السوق فروج أو ما شابه .
ذهب وأحضر الفروج وترك الما شابه ، وأكلا وحمدا الله سرّاً ، ونام بعدها نومة بعد الظهر ، فرأى في المنام أنه يضربها على فعلتها معه اليوم ، وحين استيقظ نظر إليها فوجدها تضج لحماً طرياً ، أبعد بصره عنها ، وذهب ليعد لنفسه القهوة .
حين استيقظت كان الوقت متأخراً ، في الساعة التاسعة إلا ربعاً ، كان يجلس صامتاً في غرفة الضيوف وأمامه يرقد فنجان القهوة فارغاً ، كانت لا تزال في قميص نومها ، تهالكت عليه من الخلف ، فما أعارها انتباهاً ، كان واجماً صامتاً ، جرّها لتجلس أمامه ، كان يريد افتعال مشكلة ، فقال لها ، أين كنت اليوم ؟ أجابت : أعوذ بالله ، هل سنكرر ذلك مرّة أخرى ؟ ... قال مرّة أخرى ، قلت لك أين كنت اليوم ؟ ومنه كلمة ومنها كلمة ، جعلت ترتج رجاً عنيفاً ، وهي أخذتها صديقتها التي تسكن في البناية ذاتها ، إلى دارها ، قائلة لها ، الله يكسر يده ، تلفني لأهلك كي يأتوا لأخذك ، أو قولي لهم ، إنك نائمة عندي ، فقالت المستورة : لا سأذهب إلى الطبيب ، وأمسكت بالهاتف تهتف للطبيب ، الذي قال إنه سينتظرها .
خاتمة القصة :
في الصباح الذي ما بعده صباح ، شوهدت السيدة المستورة وزوجها يدخلان عيادة الطبيب ... ننتظر كما ذكرنا سابقاً ، زهاء ساعة ، ثم بدأ المشوار ، وبدأت الرحلة العجيبة ، إلى هنا ، حيث مستشفى الأمراض العقلية .






رد مع اقتباس

