القفــــص
مقال حبيب الصايغ
* دار الخليج
مطلوب منك أن تعيش همك الخاص، وكأنما لا همّ لديك إلا هو .
ومطلوب منك أن تعيش الهم العام وكأنما لا هم لديك إلا هو .
وبالرغم من تغير كل شيء من حولك، ذرات الهواء والناس والطيور والشواطئ والدول والفصول والعادات، بالرغم من تغير كل شيء، فعليك أن تكون أنت أنت، وإلا اتهمت بالتراجع والغرور .
المصيبة أننا جميعاً نتغير بفعل عوامل الزمن والتجربة والمعرفة، لكننا جميعاً أيضاً لا نتقن كثيراً النظر في مرآة الصباح الصقيلة، لنرى وجوهنا وقد تراكم عليها الزمن والأتربة، ونفضل على ذلك رؤية وجوهنا في وجوه الآخرين، والآخرون هم الآخرون، وهم في البداية والنهاية ليسوا نحن .
وفي تقاليدنا العربية، أن نراعي الآخرين كثيراً، وهذه ميزة ثقافية تدل على أخلاق وذوق، إلا أن الأمر يبدو مبالغاً فيه، حيث تؤثر تلك المراعاة المضخمة علينا، وعلى تصرفاتنا، وأبسط سلوكنا اليومي .
ومنذ أقدم الأقدمين إلى أحدث الأحدثين في بلادنا العربية: كُل ما يعجبك والبس ما يعجب الناس! كناية عن وجودك يا صديقي في محيط شرس من العيون الرقيبة، والألسنة النمامة، والأنوف الشمامة .
القضية ليست بهذه البساطة، وإذا أردت تبسيطها فابحث في جذورها عن غياب الحريات، وانتشار الأسوار حول السجون والمدارس والحدائق والقلوب .
وغالباً ما يقال بأن حريتك تنتهي عندما تصطدم بحرية الآخرين، وهذه عبارة غامضة، تحاول، جاهدة، من دون أن تستطيع، تفسير هذا القفص العربي الهائل الذي نعيش فيه، وتبرير حالة السلبية والخضوع التي أصبحت تشكل قيداً من الكلام والدموع .
الحرية ليست مطلقة، لكن مداها أبعد بكثير من حرية يفصلها الآخر حسب جسده أو هواه أو مزاجه، ولا بد في منطقة الحرية من جدار أبعد، وسقف أعلى، فما ذنبك أنت إذا كان سقف جارك، أساساً، “واطياً” و”واطياً جداً”، لأسباب تتعلق به هو، ولا علاقة لها بالظروف الموضوعية أو الطبيعية؟
والحرية واحدة، لكن نظرة الناس إليها ليست واحدة، هناك من يراها بالعين المجردة، وهناك من لا يستطيع رؤيتها إلا عبر الميكروسكوب، وينظر إليها البعض بعين واحدة، وآخرون بنصف عين، إلى أن نأتي إلى من يفقد بصره كلما نظر إلى الحرية .
الحرية ألا تأخذك نشرة الأخبار عن أغنية تمجد الحرية، والحرية هي الحكاية الخالدة التي توشوش بها الطبيعةُ الطبيعةَ، وتتناقلها عبر الأجيال: نبات الجبال العالية غير نبات الظل المحبوس في زاوية معتمة، ووردة الحديقة غير وردة المستشفى، والعصفور يفقد الذاكرة حين يفقد الجناح، والشمس تفقد معناها عندما تحجبها عن عيوننا وأفئدتنا غيمة ثقيلة الدم .





رد مع اقتباس


