أغصان عارية
يوسف أبو لوز / دار الخليج
أنت الآن في مدينة شبابك الذي كان سريعاً مثل سفر قليل الحقائب . لم تتغير المدينة، لكنك أنت بكل ما فيك من هدوء وصخب قد تغيرت كثيراً . على رأسك بدأ يهطل ثلج الشيب، وفي قلبك حنين لا يموت .
أين يقيم الحنين؟ هل هو في القلب أم في العينين؟ لا يجيب عن هذا السؤال إلا أولئك الذين جربوا تلك الحرية البيضاء التي تنمو في الروح كما تنمو في الكلام .
ما عليك من تداعيات الحنين والحرية، وحدّق جيداً الآن في وجه هذه المدينة . مدينة شبابك القديمة، مدينة السبعينات على وجه التحديد، حيث كانت أحلامك أكبر من جسدك، وأشواقك لا حدود لها، وعلى رأسك أكثر من ريشة، كأنك هندي أحمر أو شاعر أحمر، أو كأنك قصيدة حمراء .
مدينتك هي الأخرى يهطل عليها ثلج الشيب، أخذت التجاعيد تشقق وجهها القديم . واصدقاؤك قلّ عددهم، بل، كأن لا أحد في الطريق ولا أحد في المقهى، وما من صديق يرن هاتفه أو يرنّ قلبه .
أحدهم، وكان خيط الأصدقاء أو حبلهم المصنوع من حلاوة القصب، أو أنه الناي الذي كان يجمع تلك الرفقة المشتقة من قلب الحياة، هذا الخيط بالذات اختطفه الموت وهو يمشي تحت شمس هادئة في طريقه إلى كتابة قصيدة قصيرة مثل امرأة تلعب في الهواء الطلق، وكنا نسميه أمير الصعاليك . . المشاء الأبدي في شوارع تصعد وتهبط بنا كالأراجيح .
خلت المدينة من أمير الصعاليك، وها هي مدينة بلا صديق، وبلا رجل يحمل حقيبة ويلقي فيها قصاصات من الورق . كل ورقة تحمل مشروع قصيدة .
تدلف إلى مقهى كنت اتخذته مكاناً للكتابة قبل سنوات، ولكنك لا ترى أحداً في المقهى من أولئك الذين كانوا يحوّلون الليل إلى كرنفال . الآن أنت تجلس في مقهى بارد . اللغة باردة، والكلام بارد .
تطلق عينيك إلى مكتبة تبيع كتباً قديمة، تحمل عناوين قديمة أيضاً، ومن روادها دائماً ذلك الرجل الذي يحب القهوة السوداء في الظهيرة، الآن، لا رجل في المكتبة، ولا قهوة سوداء في الظهيرة .
مدينة شبابك تقدمت في العمر، ولكنها لم تتغير كثيراً . أنت الذي تغير . أنت شجرة تساقطت أوراقها ليس في الخريف، بل في الربيع، ولم يبق لك سوى هذه الأغصان العارية، تنشر عليها قمصانك المبللة بالدمع .
اخرج، إذاً، من ذلك الشباب القديم واذهب إلى الكتابة .





رد مع اقتباس