ويتمان الهندي الأحمر
مقال يوسف أو لوز
* دار الخليـج
يبدو أنه لم يكن لدى الشاعر الأمريكي “وولت ويتمان” ما يفعله غير كتابة الشعر، هذا الشاعر الذي تبدو صورته المتداولة وكأنه ناسك أو كاهن بلحيته الطويلة التي يحلو لبعض الشعراء العرب ان يملؤوها بالفراشات، ولكنه بالفعل كاهن الشعر في أمريكا أو في زمنه ذاك على الأقل، عندما كان عمر أمريكا لا يتجاوز المئتي عام، أي انه من جيل أمريكي كانت فيه البلاد التي طردت الهنود الحمر من جذورهم ومن ثقافتهم تعبئ سكانها منذ البداية بثقافة جديدة أو بثقافة عصر جديد .
في السابعة والثلاثين من عمره، وعند صدور كتابه الشهير “أوراق العشب” في العام 1928 نقرأ ترجمة لاحدى قصائده أنجزها عارف حديفة . . يقول فيها ويتمان:
“من هذا التراب وهذا الهواء تشكل لساني
وكل ذرة من دمي .
ولقد ولدتُ هنا من أبوين، ولد هنا من أبوين أيضاً وكذلك أبوا الأخيرين . .”
وربما لو تسلسل ويتمان أكثر من ذلك في تتبع أصوله وفروعه لوجد أنه ينتهي إلى قبيلة هندية ولو من باب مجازي شعري، ثم، لا عجب في ان ينتسب شاعر مثل ويتمان إلى الهنود الحمر إذا كانوا يرمزون اليوم في بعض الشعريات العربية إلى الأقوام التي فقدت ترابها وأوطانها وأصبحت مجرد فولكلور ثقافي شعبي يستهوي السياح، وملتقطي الصور التذكارية، أليست صورة الهندي الأحمر خصوصاً في السينما الأمريكية هي مجرد صورة تذكارية فولكلورية؟
“وولت ويتمان” . . الرمز الشعري الأمريكي الأكبر حتى الآن في الولايات المتحدة الأمريكية ما كان له ان يقف موقف الحياد وموقف الفرجة وحتى التواطؤ على السياسات والحروب التي تصنعها بلاده في معامل ثقافة أحادية الوجه، فهو شاعر الحرية والنور كما يقول عنه موريس مندلسون، والحرية، اليوم، من وجهة نظر أمريكية تفرض على بعض الشعوب بالعصا والمسدس، أما النور فهو الوهج الفسفوري الذي يشع في العالم في كل حرب وفي كل كارثة احتلالية استيطانية .
نتذكر ويتمان وإلى جانبه آرنست هيمنغواي الروائي الأمريكي الصبور ذا اللحية المملوءة أيضاً بالفراشات، ونسأل: كم من شعوب هذه الأرض ستتحول إلى هنود حمر؟






رد مع اقتباس
