أغنية للبحر . .
مقال يوسف أبو لوز
* دار الخلـيـج
أيّها البحر . .
أيها الملك الأزرق المتوّج دائماً بجدائل الشمس ولذة الكتابة، أعطيكَ اسماً آخر غير الماء، فأنت منذ الآن، طفل الشعر الذي لا يكبر . ما من شاعر إلا ومشى في خيالك وفي لغتك المشتقة من اللؤلؤ والفيروز .
أيها البحر . .
انتظرني يوماً آخر في منزلك البلوريّ، وقل لرعيتك بأن تتهيأ لمهرجان الكتابة، فأنا من دونك غريب على هذه اليابسة، وليس للشعر من أهل وعزوة إلا تلك الكائنات والتويجات والأزهار التي تخرج من صدرك ومن جبهتك اللازوردية .
أيّها البحر . .
لقد حملت على ظهرك الذي لم يحدودب أبداً متاع الاسطورة ومتاع الشعراء . ضاع في غياهب مائك “عوليس”، ولكنه عادَ أخيراً إلى “إيثاكة”، فأنت، أيها البحر أكثر رحمة، أحياناً، من البرّ، شهداؤك أحياناً أكثر من شهداء البرّ، وعشاقك يتخذون من فتنة الماء مرايا لأشواقهم، وإذا كانت الأغنيات تولد من القلوب العاشقة، فإن أناشيد الانتظار وقصائد الحنين تولد من براعم الماء التي تتفتح في أعماقك وفي ضفافك .
أيّها البحر .
أيّها الصديق . .
يحلم بك أطفال البرّ . وينمو في قلوبهم عادة خيال واسع . يظنون أنك سوارٌ أزرق يلفّ هذه الأرض، وأن شواطئك رمالٌ لا تعرف التيه . أنت صحراء أخرى أيها البحر، ولكنها صحراء لا تعرف السراب ولا تعرف منفى الرمل .
البحر نثرٌ أزرق يكتبه البحّارة وشعراء اللغة المائية التي تسري في الذاكرة، وتجعل منها بوابة مفتوحة دائماً على الحضور، فلا غياب في البحار . كلّها حضور دائم وكلّها لغة دائمة .
الشطآن، أيها البحر، قصائد مكتوبة على بحر الرمل، والموانئ محطّات للغرباء والصيّادين والمسافرين . موانئ زرقاء هي الأخرى، تضج بأصوات البحارة، وأصوات النوارس، هذه النوارس التي منحت الشعراء نعمة الكتابة . . كتابة بيضاء لها أجنحة، والكتابة التي لها أجنحة ترتفعُ دوماً إلى الأعالي وتصادق النجوم .
أيّها البحر .
أيّها الكائن الذي تعلّمنا الحنين والصمت والتأمل . صباح الخير صباح المرجان أيها الأمير المائي ذو الأجراس والنياشين وورق الياسمين الذي يطفو على الماء وعلى وجه الشعر .
صباح الشعر أيها البحر . .
صباح الحب، أيها الصاحب والرفيق، فما من رفاقّية أجمل من رفاقيتك، وأنت تمتد وتنبسط وتنفتح منذ الصباحات الأولى والحياة الأولى على الضوء وعلى المسرّة .
أيّها البحر .
انتظر صديقك عند ناصية الورد، وقل لطيور الماء سلاماً، سلاماً أيتها الكتابة المستعارة من الأزرق .






رد مع اقتباس