مقطع من مدينة

مقال يوسف أبو لوز

* دار الخليــج









من أقدم المقاهي الشعبية في قلب العاصمة الأردنية عمّان، مقهى يُطلق عليه “السنترال” يقع في الطابق الثاني من إحدى المباني القديمة في شارع السلط الذي تمتد عليه محال تجارية ومجموعة من المطاعم ومحال الحلوى وبعض أكشاك بيع الكتب والصحف العربية .

كان هذا المقهى في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي مكاناً مفضلاً لكتّاب ومثقفي وفناني العاصمة عمان الذين كان بعضهم آنذاك مدججاً بنظريات وأفكار اليسار والثقافة التي كان يُطلق عليها في تلك الأيام الثقافة الطليعية .

لم أكن من أبناء ذلك الجيل، ولكن في الثمانينيات كانت تلوح بقايا تلك الكوكبة من مرتادي “السنترال” الذين تفرّقوا في الأرض، وبعضهم رحل عن هذه الفانية، وبعضهم غيّر المقهى كما غيّر أيضا يساريته وأفكاره، والبعض هاجر إلى الغرب، وذاب هناك في ثقافة طليعية، ولكنها من نوع آخر، لكن “السنترال” بقي على حاله في قلب عمّان أو ما يُسمّى وسط البلد، ومن خلال شرفته المطلة على شارع السلط يرى الجالس في الشرفة خط حركة الناس وحركة الحياة في وسط مدينة تقوم على سبعة جبال، تبدو جميعها وكأنها تصب في هذا الوسط ذي الفضاء التجاري شبه الشعبي والضيّق، لكنه بالفعل مركز المدينة وهويتها الكلاسيكية التي تتألف من معماريات قديمة تعطي عمّان روح المكان . . هذه الروح التي يحنّ إليها كتّاب ومثقفو النصف الثاني من القرن العشرين حيث كانت الحياة الثقافية خلال تلك العقود أكثر خصوبة وأكثر أصالة .

أمام المسجد الحسيني الذي يقع هو الآخر في وسط البلد ووسط فضاء تجاري عتيق، ثمة مقهى أيضاً يطلق عليه “مقهى الجامعة” كان هو الآخر مكاناً أليفاً بالنسبة إلى مثقفي تلك المرحلة “العتيقة”، وبالقرب من هذا المقهى تنتشر أسواق “البالة” المخصصة لبيع الملابس المستعملة والكتب المستعملة المطروحة أمام مجموعة من الأكشاك القائمة على شارع يسمى سقف السيل الذي ذكره الروائي الراحل عبدالرحمن منيف في إحدى كتاباته، وفي هذه الأكشاك تقع عيناك على عناوين كتب قديمة تعود إلى الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي مدججة هي الأخرى بأفكار ونظريات ومصطلحات ذلك الزمان .

التجوال في أمكنة عتيقة كهذه، يعيد المرء إلى ذلك الزمان الذي لم يتبق منه إلا الحنين الذي يطوي القلب كطيّ القماش العتيق .

ذلك مقطع من مدينة لا تعرفني . .