إبداع ... الياسمين

قصة: ليلى صبّار - ترجمة: أحمد عثمان

* دار الخليــج






المرأة، جالسة إلى دكة خشبية قبالة الحائط الأبيض، الرأس بامتداد الخط اللازوردي التي رسمته بريشة قديمة، العينان مغلقتان، الوجه ممدود نحو المقبض الأخضر الخفيف للباب الواطئ . عريشة شجرة الياسمين، في الفناء المربع، عجوز، إلى حد أن أحدا في البيت الأبيض يتذكر من الذي غرزه، ولا حتى زهرة العسل ولا رعي الحمام . لا فناء، وانما حديقة صغيرة نوعاً ما، تمتزج فيها رائحة الفلفل الأحمر الحلو المسحوق بحلاوة الياسمين وزهرة العسل وحموضة رعي الحمام الحلوة .

ظلت يدا المرأة، الكبيرتان والمفلطحتان، الثقيلتان على ثنايا ثوبها، ساكنتين . نراها تتنفس، في بطء، جانب الورود البيضاء الصغيرة في الظل الأخضر . تقول، من دون أن تفتح عينيها: “لا يمتلكان نفس رائحة ورود حقول الياسمين” .

طوال اليوم، والأيام السابقة أيضاً، جنت مع أخريات، جارات، أخوات، بنات الأعمام والأخوال، أمهات وبنات، الياسمين من الحقول، لبعض من المال . . لا يهم . يتبادلن الأحاديث وسط السلال الواجب ملؤها، والضحك، فيما تغني الفتيات الأصغر سناً، والرجال الواقفون بعيداً لا يراقبون . في المساء، يتساقطن، الصغيرات في البداية، على بلاط الفناء تحت شجرة التين، العجائز ترنحن، نشوانات، تبادلن الكلام في آن واحد عن الحب حتى قدوم الليل، تغنين بالقصائد القديمة المعروفة وهن على علم بأن الرجال يسمعونها عن بعد، حتى وان ادعوا أنهم لم ينصتوا إليهن، إلى صوتهن المحمّل بالظل والياسمين .

من يجهل أن الياسمين وردة الحب؟، وقد استثارت حواسهم، مع رائحة العرق الأمومي .

بين ثنايا الثوب، الكثيرة والناعمة، نامت طفلة صرعها عمل الحقول . المرأة، قبالة الخط الأزرق للحائط، لم تتحرك . يداها بالكاد تلمسان شعر الطفلة . تقول، وعيناها مغلقتان: “أفضل رائحة ياسميننا، الناعم، الرقيق، ياسمين البيت، كما هو منذ زمن طويل، ياسمين لا يموت أبداً” . تغني بصوت خفيض أبيات غنتها أمها في المكان نفسه على الدكة البيضاء، وهي، فتاة صغيرة تنام على فخذيها القويين، تعبة بعد جني الياسمين في الحقول .

يرجع الرجال متأخرين إلى البيوت . المرأة التي تحمل الطفلة النائمة بين ثنايا الورود، ورود مطرزة على حرير الثوب الأخضر، هذه المرأة ذات اليدين الكبيرتين المفلطحتين الساكنتين دوماً، تسهر . الوحيدة التي لم تؤوب إلى فراش الزوجية . تنصت إلى سهر النساء العاشق في غرف البيت . لا تنتظر الرجل الذي هجرها لأجل الضفة الأخرى والأحلام الأخرى . لم يبقه الياسمين، ولا الطفلة، ابنتها التي تنام، والتي لا تعرف أنها موعودة لابن مالك حديقة الياسمين الأصغر . تفكر المرأة في صرة المال . والياسمين سيكون عقد لؤلؤ رقيق، وستكون لابنتها يدا فاطمة الذهبيتين المنحوتتين والكبيرتين عن كونهما يدي طفلة .

غير أن الطفلة غادرت سريعاً فناء شجرة التين، شجرة ياسمين البيت والحقول . ومن الناحية الأخرى للبحر، بلا أم ولا زوج، ضاعت ابنتها . ولن تعود أبداً .

في فندق فرنسا حيث تعمل عاملة نظافة، تجلس في ممر الطابق الثاني، منتظرة أن يخلي الساكنون الغرفة رقم 7 . باب ينفتح، ينغلق .

على عتبة الغرفة، تختنق . بالكاد تكفي بضع ثوان كي ترى حول الفراش، في عقود مضمومة، يتعفن الياسمين .