اِبن الفجأة
مقال حبيب الصايغ
* دار الخليــج
من النافذة الأسطورية الجالسة، القرفصاء، في الركن الأقصى من الرأس، تتوافد الذكريات وكأنها رسائل بريد قديمة، رسائل من تلك التي كنا ننتظرها كل يوم، ونذهب من أجلها إلى صناديق البريد النائية، المختفية، وراء روح المكان والزمان . الذكريات تنهمر كالسيل، وعلى المرء أن يصنف ويبرمج ويفرز ويحدد ويجرد ويحقق . ذكريات لها بريق وأخرى شاحبة . ذكريات لها نكهة وذوق، وأخرى بلا معنى أو ملح . ذكريات بمسارات متعددة، وقد تنطلق بين أوردة وشرايين الرأس كأنها صقور أو نمور . ذكريات ساخنة وباردة . مكتوبة بالأبيض والأسود أو بالألوان الزاهية . ذكريات مضيئة ومظلمة، والأمداء ممتدة من أقصى الروح إلى أقصى الرأس، ومن أدنى قوس قزج إلى رمق الشمس الأخير .
فمن يستعد، الآن، أكثر من غيره، للمزيد من الذكريات؟
لقد حان للمسافر البعيد أن يواصل السفر .
الليلة، سوف أتخلى لك يا دفتر الذكريات عن عمري . سوف أخلعه موجة موجة، وجزيرة جزيرة . سأضعه في فمك كما تضع الأم ثديها في فم الحكاية الغامضة، وسوف أبتعد عنك لألهو قريباً من دمي ومن جبروتي كله .
سوف ألجأ إلى ذاكرة الأطفال الذين أحبهم، وفي عيونهم سأسرد ما تبقى من حنين .
للغة الآن أن تتراجع، ولها أن تغوي معها الفراشات الماكرة والينابيع الظمأى . للغة أن تنطفئ على حين غرة، بعد أن تكون قد أشعلتنا واشتعلت . للغة أن تتأجج في موتها حتى نشاركها حمل المعاول وبناء القبور الشاهقة .
فلا تغادريني يا ذكريات العمر وإلا غادرتك . لا تذبحيني وإلا كتبتك على أعناق الديكة . لا تتركيني يا ذكرياتي لفصل الغياب، وإلا حرضت عليك المزامير والأوردة والشطآن .
ومعك، في وجودك الآسر الآمر، سوف أبحث عن تاريخ ميلادي في دفاتر عتيقة كتبها عمر مشاغب جاء فجأة، وعاش فجأة، وسوف يذهب فجأة .
عمري يا ابن الفجأة وسليل التوتر، كن على أهبة الاستعداد كما كنت دائماً .
قف يا سيدي العمر بين طرفك المطر وحاشيتك الموت، ثم تقدم إلى مصيرك ولا “تبالي” .
لن تصيبك، مهما حدث، يا عمري الغابر، العابر، القديم، الجديد، شيخوخة الوقت، فاحمل قبرك على ظهرك، فلست إلا سيرة ناقصة لحياة ناقصة لا تكتمل إلا بالموت .






رد مع اقتباس