سيمفونية تونسية
مقال يوسف أبو لوز
*دار الخليــج
في العام 1995 شاركت في فعاليات تونس عاصمة للثقافة العربية، وهو أوّل تقليد تكريمي لعاصمة عربية وشارك فيه في ذلك العام محمود درويش وعبدالوهاب البياتي وسعدي يوسف ومحمد جبر الحربي وعلوي الهاشمي إلى جانب عدد كبير من الشعراء العرب، وكانت بالفعل تظاهرة شعرية كبيرة .
كانت الزيارة الأولى لي إلى تونس، ولم تكن لديّ أية فكرة عن هذا البلد الذي يرتبط بمفردة جميلة هي “الخضراء” .
قال لي الراحل محمود درويش إذا كانت هذه هي زيارتك الأولى إلى تونس فاستمع إلى صوت العصافير وهي تأوي في المساء إلى الأشجار الممتدة في شارع يقع عند منطقة باب البحر، وفعلت ذلك، ففي المساء خرجت إلى الشارع لأسمع سيمفونية تؤلفها الطيور في شارع مزروع كلّه بالأشجار .
تونس العاصمة في حدّ ذاتها كما أتذكر الآن ليست مدينة شجرية بالكامل، ولكنها خضراء بقلوب سكانها الذين تعرفت إلى بعضهم في المقاهي الشعبية حيث يضع التونسي زهرة بيضاء فوّاحة على أذنه وهو يلعب الورق أو يحتسي القهوة أو يضحك من كل قلبه أمام كأس من الشاي أو فنجان من القهوة .
قرأت في تونس الشعر أمام جمهور من الشباب، الذين كانوا يطلبون مني ومن الشعراء الآخرين المزيد من القراءة، خصوصاً أن هؤلاء يعتبروننا ضيوفاً قادمين من المشرق العربي الذي بدأ فيه الشعر بحسب ما يعتقدون، مع أن أبا القاسم الشابي كان أستاذاً لنا نحن شعراء المشرق عندما بدأنا تعلم أول أبجديات الشعر .
بعد أيام وجدت نفسي في مدينة سوسة التي وصلت إليها مع مجموعة من الطلبة الجامعيين عبر طريق طويل مزروع بالزيتون . . أجمل ما تأكله في تونس الكسكسي والزيتون .
يحب التونسي الشعر، لأن قلبه أخضر وبلاده خضراء، والتونسي متذوق جمالي للشعر ويعرف الأبيض منه والأسود .
حملت معي في عودتي آنذاك هدية غالية وهي صندوق من البلح التونسي وبعض الهدايا القليلة ومنها شريط كاسيت حول “البشنوق” .
هذه تداعيات شخصية تذكرتها عن بلد أخضر، وسيظل أخضر القلب والجغرافيا والتاريخ .
نحب تونس وهي خضراء بعدما أرادت التخلص من الظلام .






رد مع اقتباس
