هندسة نرجسية
مقال حسن مدن
* دار الخليــج
من الأمور الممتعة التي اهتم فرويد بدراستها: زلات اللسان، ومفيدة جداً تلك الخلاصة التي صاغها في هذا الصدد، من أن الكلمات هي ما يخطئ به الناس قبل أن يصبح خطأهم فعلاً . زلات اللسان، إذاً، ليست سوى تعبير عن التفكير العفوي الأولي لدى الإنسان، وعما ينطوي عليه منولوغه الداخلي من تصورات ورؤى قبل أن تنتقل إلى الواقع، وكثيراً ما يدرك الإنسان في وعيه أن هذا النوع من المنولوغ غير مقبول أو مستساغ من الجماعة، فيسعى إلى ترويضه وتكييفه ليحظى بالقبول .
يقول بطل رواية عبد الرحمن منيف “شرق المتوسط” ما معناه: إن الإنسان مهما كان حكيماً وخبيراً بالحياة وسديداً في الرأي، فإنه بحاجة دائماً إلى من يستشيره ويحاوره قبل اتخاذ أي قرار .
لكن ما أكثر ما يرتد الإنسان إلى فرديته، فيغلب المنولوغ الداخلي، ما تزينه له النفس الأمارة بالسوء على الديالوغ، على الحوار مع الآخرين، للدرجة التي تجعلنا نثير السؤال الآتي: ألن تصبح حياتنا أكثر استقامة لو أصبح فيها (ديالوغ) أكثر، و(منولوغ أقل)، لو ضممنا إلى الرأي شيئاً آخر اسمه الرأي الآخر؟
مشكلة الولع بالرأي وتجاهل الرأي الآخر هي إحدى عاهاتنا المزمنة، لأن الكثيرين منا يعيشون بين المرايا المتقابلة، فلا يعود بوسعهم رؤية شيء سوى أنفسهم ووجوههم تتراءى لهم من خلال هذه المرايا، في نوع من النرجسية العالية، حين تصل درجة الانبهار بالنفس إلى حالة مرضية من التضخم تجعل الواحد منهم لا يرى سوى صورته .
وقد يبلغ به الأمر ذلك المدى الذي وصل إليه نرجس في الأسطورة القديمة الذي كان مأخوذاً بجمال صورته، وهي تنعكس على سطح ماء النهر أو البركة، فكان يمضي الوقت متأملاً تلك الصورة، غير قادر على رؤية ما في هذا العالم من مصادر فتنة وجمال وتنوع خارج صورته التي تبدو له جميلة، وهي منعكسة على سطح الماء .
وتبدو “النرجسية” التي اشتقت كمصطلح من اسم بطل هذه الأسطورة، محنة من محن الحياة، ما أكثر المصابين بها، وما أكثر ما قادت أصحابها إلى الضياع، حين لا يرون في الحياة سوى أنفسهم، ولا يسمعون إلا رأياً واحداً، هو رأيهم .
تغدو هذه محنة جماعية حين يُقيض لأحد من هؤلاء أن يكون في موقع من مواقع القرار، لأنه ساعتها يسعى إلى هندسة المجتمع كله وفق صورته .






رد مع اقتباس
