الياسمين والفل الأحمر
أمل خالد القاسمي
* دار الخليــج
“مسافر يا أمي، سامحيني، ما يفيد ملام، ضايع في طريق ما هو بإيديا، سامحيني كان عصيت كلام أمي، لومي على الزمان ما تلومي عليّ، رايح من غير رجوع، يزّي (كثيراً) ما بكيت وما سالت من عيني دموع، ما عاد يفيد ملام على زمان غدّار في بلاد الناس . أنا عييت ومشيت من بالي كل اللي راح، مسافر ونسأل زعمة السفر باش (أن) ينسّي” .
لا يمكن لذاكرتي أن تمحو ذلك المشهد الجميل كل مساء في منطقة المرسى التونسية، تلك الجميلة النائمة على شاطئ البحر المتوسط ببياضها وخفرها، منازلها البيضاء الجميلة تعلن عن بياض قلوب التونسيين وطهر أرواحهم، حيث كان التونسيون يسيرون في شوارعها، ويجلسون في المقاهي يحتسون الشاي، وهم يغرزون وراء آذانهم باقة من الياسمين أو الفل الأبيض، أعواد خشب لفت حولها أعداد من زهور الياسمين أو الفل، ويبتسمون بخجل للفتيات علهم يلفتون نظر إحداهن بهذا الإغراء الأبيض .
لم يكن العمر يمنع هذه المباغتة الجميلة في الطرقات، كل الذكور شيوخ، شباب وحتى الأطفال، الأجمل من كل هذا سلال أعواد الياسمين والفل التي تباع في الشوارع، ذلك النوار الأبيض الجميل يفترش السلال يناديك بعبقه مرحباً بك في تونس، في المرسى والحمامات، وقرطاج، والقيروان، تتغنى عيونهم بأشعار الشابي، هذا الذي حلّق بنا بشعره الثوري ونحن صغار لنعرف تونس الخضراء، ويفجر فينا ثورة الغضب العربي ضد الظلم والظلام .
بالأمس في تونس لم يكن يتخيل محمد البوعزيزي اللحظة التي توجه فيها إلى إدارة البلدية شاكياً ظلم وإجحاف البلدية، بعدما صادرت منه عربة الخضار وهي مصدر رزقه الوحيد وهو حامل الشهادة الجامعية، أن تكون ردة الفعل صفعة على وجهه من موظفة لم تكن بأخلاقياتها أقل من إحدى المزابل التي تجمعها البلدية ذاتها من شوارع وأزقة تونس، وبعد أن فقد الأمل في محاسبة الموظفة التي أهانت كرامته وهو العزيز بن العزيز، توجه إلى “الفيسبوك” ودوّن الكلمات التي دونتها في مقدمة حديثي .
بعدها لم يلعن البوعزيزي، كعادتنا نحن العرب، الظلام المخيم على تونس الخضراء، لكنه قرر أن يشعل شمعة أملاً في الله رب العزة في أن يغير الحال الذي وصل إلى حد المحال، ولأن الظلم والظلام كانا في وضح النهار، وجد أن الشمعه غير كافية ليشعل طريق الشعب التونسي بأكمله من أجل حريته وحرية شعبه، فأشعل في نفسه النار وأنار تونس بأكملها من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها بنور الحرية، تحررت تونس من الظلم، وتحررت روح البوعزيزي من الحياة كلها .
الجمهورية التونسية، أو تونس الخضراء كما عرفناها منذ وعينا على هذه الدنيا، شعارها الذي لم يطبق على الشعب “حرية، نظام، عدالة”، ونشيدها الوطني الذي كان يدرس ويحفظ في المدارس ويغنى في المناسبات الوطنية ومباريات كرة القدم والتتويجات العالمية، لم يكن يمارَس في أرض تونس إلا إنشاداً، لكن في حقيقته قُيد الشعب بأكلمه من تطبيقه على الواقع المر، كلمات هذا النشيد تقول “حماة الحمى يا حماة الحمى . . هلموا هلموا لمجد الزمن . . لقد صرخت في عروقنا الدما . . نموت نموت ويحيا الوطن . . إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر . . ولا بد لليل أن ينجلي . . ولا بد للقيد أن ينكسر . . لتدو السماوات برعدها، لترم الصواعق بنيرانها . . إلى عز تونس إلى مجدها . . رجال البلاد وشبانها . . فلا عاش في تونس من خانها . . ولا عاش من ليس من جندها . . نموت ونحيا على عهدها . . حياة الكرام وموت العظام” .
محمد البوعزيزي الذي كانت نار جسده برداً وسلاماً على الشعب التونسي، الميت الذي وهب أمته حياة شريفة لم ينعم بها هو، ذلك الفقير الذي أزاح من على صدر تونس وشعبها ظلماً وظلاماً طالا، حتى ظُنّ أنهما سيبقيان حتى قيام الساعة، تفجر الشعب غضباً لأنه أراد حياة كريمة تسره وتسر الصديق، واستجاب القدر، وانجلى الليل، وطرد من تونس من خانها . لم يكن الحد الفاصل بين الموت والحياة شائكاً لهم لتحقيق الوعد والعهد في النشيد الوطني لتونس، ولتحقيق حياة الكرام لشعبها . انكسر القيد وانجلى الليل لحياة الكرام، وفي شوارع تونس، وعلى أرصفتها، مات الكرام، تساقطوا كزهرات الفل والياسمين، لكنها لم تكن بيضاء هذه المرة . الزهر الأبيض لا يسقط، الزهر الأبيض هو شعار الحرية والسلام والأمان، كان الياسمين والفل هذه المرة أحمر بعدما شرب دم الشرفاء حتى شرق .






رد مع اقتباس