د . فيصل درّاج: الرواية العربية مغتربة
يطرح د .فيصل دراج الناقد والمفكر الفلسطيني عدداً من الأفكار الجريئة في حواره مع “الخليج” ويشرح الوضع العربي الراهن بكل أمراضه وهزائمه وما به من عجز وخلل وركود .
ويؤكد أن وضع الرواية العربية لا يختلف كثيراً، فالرواية العربية أصبح فيها من الإعلان أكثر مما فيها من الإبداع، وأن الاتساع الكمي الذي تعيشه الآن لا يوازيه اتساع كيفي .
آراء جريئة حول الإبداع العربي في الحوار التالي:
قلت إن الواقع العربي يقوض شروط الإبداع . . فبما تفسر هذا النشاط الروائي العربي الكبير؟
هناك إبداع، لكن ما النسبة المئوية لهذا الإبداع؟ وما معنى الإبداع أصلاً؟ . . ربما عندنا نوع من الإبداع النسبي في الأدب والفن، لكن ما الإبداع العربي في حقل العلوم والتكنولوجيا وفي إطار الحفاظ على الاقتصاد القومي وتطويره إلى آخره، يوجد عندنا الرواية والشعر والسينما وربما الموسيقا، لكن هي نوع من هوامش الحداثة العربية المهزومة، التي أخفقت منذ عام 1967 أو ربما قبل ذلك، لكن ما أعترض عليه دائماً هو المبالغة في كلمة الظاهرة العربية الروائية، توجد ظاهرة كمية بها بعض الأشياء الجيدة لكنها لا تشكل شيئاً خارقاً ويمكن أن نسميها الربيع الزائف، هناك روايات كثيرة في سوريا ولبنان ومصر والخليج والمغرب العربي، ولكن في النهاية إذا اعتبرت نفسي قارئاً محترفاً فأعتقد أنه من الصعب أن أجد كل عام عشر روايات جيدة، وبالتالي هناك كثرة كمية في إصدار الروايات لكن لا تترجم بالضرورة إلى أعمال كيفية وإبداعية حقيقية .
كيف ترى حال التلقي من قبل الجمهور العربي؟
إذا كان كل إنتاج هو استهلاك فإن ما يستهلك ويقرأ من الرواية العربية يشكل نسبة طفيفة جداً قياساً للقراءة في الثقافة التقليدية وبالتالي فهي ظاهرة مغتربة تمارسها قلة مبدعة مغتربة ويقرأها أيضاً مجموعة من القراء يمكن أن نقول إنهم قلة مغتربة .
وأعتقد أن الرواية العربية حالياً فيها من الإعلان أكثر مما فيها من الإبداع وهي في العقد الأخير لا تصل إلى مستوى الإبداع العربي في الستينيات، فإلى الآن لم يتجاوز روائي نجيب محفوظ، ومن الصعب أن نجد أحداً بقيمة جمال الغيطاني، أو أن نجد تجريباً جريئاً يوازي إبداع صنع الله إبراهيم، أو مشروعاً روائياً واسعاً يشبه عبد الرحمن منيف أو ذلك الإبداع العالي جداً لإميل حبيبي في المتشائل، فحالياً هناك اتساع كمي في الرواية العربية ولكن هذا الاتساع الكمي لا ينتج ظواهر عربية مرتفعة القيمة إلا نادراً، وبالتالي ظهر عندنا رواية الجسد والرواية النسوية ورواية الذكورة، وهذه على كل حال ظاهرة جيدة ولكن ألا تساوي بالضرورة الضجة المنسوبة إليها .
وما رأيك في مقولة زمن الرواية؟
عندما نقول زمن الرواية فإننا ننسى من القارئ، فالمعنى الاجتماعي لأي إبداع لا يتحدد فقط بقيمته الداخلية، لكن باستقباله وبعدد القراء والمهتمين وأعتقد أن الرواية العربية ينقصها الشيء الكثير، فماذا يعني أن الرواية الجيدة توزع خمسة آلاف نسخة في العالم العربي في حين أن أي كتاب تقليدي أو ديني يوزع مئات الآلاف، فهناك نوع من المبالغة في موضوع الرواية العربية فهي أصبحت مزيجاً من المواعظ والصخب الإعلامي والجوائز . . الخ .
هل الرواية وسيلة للخروج من المأزق السياسي العربي ووسيلة يبث فيها المبدعون أشواقهم للتغيير والحلم بعالم أجمل وأكثر إنسانية وعدالة؟
هناك ثلاث نقاط الأولى أن الرواية العربية لا تزال تقوم بطرح المشكلات الأساسية في الوطن العربي وأعني بذلك الأعمال العربية الحالية، كأن يكتب محمد البساطي عن الجوع وأن يكتب فواز حداد عن قمع المثقفين وأن يتكلم ابن سالم حميش عن التصادم المستمر بين المثقفين والسلطة وأن تتكلم رضوى عاشور عن الفلسطينيين والصراع “الإسرائيلي”، لا تزال الرواية العربية تعبر عن الكثير مما يحدث في الواقع العربي .
لكن التغيير لا يأتي لأن عدم الاعتراف بالهزيمة أولاً ثم استمرارية هذه الهزيمة، ثانياً دفع الأنظمة العربية إلى وضع جملة من السياسات المدرسية والأيديولوجية والثقافية والسياسية تؤدي إلى تعطيل وعي الفرد ووعي المجتمع كي يصبح هذا المجتمع عاجزاً عن الحراك السياسي بما يثبت الهزيمة أولاً وبما يثبت الأنظمة المهزومة ثانياً، وبما يجعل الهزيمة المستمرة بداهة من بداهات الحياة .






رد مع اقتباس