لبنان والشجن المزمن
للمبدع خيري منصـور
* دار الخليــج
لم تكن جرّة لبنان الوطن ذات يوم من فخار، لكن جرّة الفولاذ حين تواصل الارتطام بالفولاذ تجرح، وإذا تعرضت لنار ذات لهب قد تنصهر، وهذا ما يدفعنا إلى الخوف من أن الجرّة هذه المرة قد لا تسلم، رغم أن اللبنانيين على اختلاف الطوائف والأهواء السياسية مروا بواحدة من أشرس الحروب الأهلية في القرن العشرين، وراهن الناس على أنهم تلقحوا ضد تكرار تلك الكارثة بأمصال من وعي مضاد للتشرذم والقسمة التي ينعدم معها الحد الأدنى من الالتئام الوطني .
وهذه ليست المرة الأولى التي يشهد فيها لبنان انسداد أفق سياسي، لكنها بخلاف سابقاتها شديدة التوتر، وثمة تنافر في خطابات سياسية لا يمكن أن يصنف في خانة الحوار . وما ينبغي للجميع ألا يتجاهلوه أو يتناسوه تحت أية ذرائع محلية، هو أن هناك عدواً يتربص بلبنان، ولم يخلد إلى الراحة أو العطلة العسكرية إلا رغماً عنه ولأسباب تتعلق بخسائره التي لم تكن واردة في حسبان جنرالاته وحواسيب ساسته .
لبنان يشهد الآن جولات وصولات سياسية مكوكية من عدة أطراف عربية وإقليمية، وكلها تأتي تحت عنوان واحد هو الاستدراك أو الحيلولة دون اندفاع الخلاف إلى تناقض، والتناقض إلى اشتباك . وقد يكون تهوين البعض لما تبدو نذره الآن في لبنان كما لو أنها تملأ الأفق بالدخان، هو أنه كان منذ عقود في عين أكثر من عاصفة، ولم تغادره الأضواء على المسرح باعتباره بؤرة ساخنة . لقد أدى هذا الاستمرار في توتر المناخ السياسي في لبنان إلى تأقلم المراقبين والمحللين معه، بحيث لا يأخذ الأولوية إذا نافسته أحداث طارئة أو مفاجئة وغير متوقعة كما جرى في تونس، ولا نظن أن اللبنانيين بحاجة إلى من يعظهم أو يستعرض عليهم دروساً هم الذين خبروها ودفعوا ثمنها، لأنهم الأدرى بشعاب كل ما يمكن قوله عن فقدان السلم الأهلي وتقديم مشهد الفوضى والخراب هدية إلى عدو يتربص بلبنان بشراً وحجراً وماء واستقلالاً، وأغرب ما في المعادلة اللبنانية هو أنها كلما أوشكت على حل ما عادت إلى الصفر، فالخلاف أحياناً لا يكون بين أغصان وفروع متشابكة تحركها الريح بقدر ما هو خفي في الجذور التي لا تصل إليها حتى العواصف .
وجراح لبنان الغائرة بسبب العدوان الصهيوني عليه لم تندمل حتى الآن، وما تعرض فيه من بنية تحتية وأهداف استراتيجية لم يرمم بالقدر الكافي، مما يفرض عليه أن يتحسس موقع الأقدام بقدر ما يتأمل المسافة التي تطول أو تقصر تبعاً لتفاوت القوة بينه وبين غزاته، وبالتالي بين مقاومته وأسباب إضعافها . وإذا قدر للوساطات كلها أن تفشل في تدوير الزوايا فإن ما يمكن حدوثه ليس أمراً يقاس بشكل ميكانيكي على سوابق محددة ومعروفة .
فالعالم ومنه الإقليم يتغير، ومعادلات التحالف والافتراض لا تثبت على حال، والفشل في الاحتكام إلى حوار فاعل ومتكافئ بين الأطراف معناه الوحيد الاقتراب من الهاوية .
لبنان عزيز على كل عربي بتاريخه ومنجزه الحضاري ودوره التنويري منذ قرن على الأقل، ولكي يعبر العرب عن هذه العاطفة القومية وغير السياحية إزاء لبنانهم، عليهم أن يأخذوا الأمر على محمل الجدية ومن دون أي استخفاف يقيس الراهن على الماضي، فالهدف هو أن تَسْلَم هذه الجرة، وألا يتحول لبنان إلى ما يشتهي أعداؤه أن يكون وهو فخار يكسر بعضه، بحيث ينوب عن أعدائه بتدمير ذاته وهو آخر من يعلم .






رد مع اقتباس