شعراء في الصف الثالث
للرائع يوسف أبو لوز
* دار الخليــج
لماذا يجلس الشعراء في الصف الثالث بعد السياسيين والإعلاميين عندما يتعلق الأمر بحدث كبير مثل حصار غزة والعدوان على لبنان وتظاهرات الحرية في تونس، وغير ذلك من وقائع تصل ذروتها إلى ما يمكن أن يسمى حدثاً تاريخياً؟ وبما أن الشعر هو ديوان آخر للتاريخ، أو تدوين آخر لحركة الشعوب في التاريخ، فمن المطلوب من الشعراء في هذه الحال أن يكونوا في الصف الأول الذي يحمل نبض الشارع ويقف إلى جانبه عن طريق الكتابة بعيداً عن الانخراط في لعبة السياسة القابلة دائماً للتدجين والتلوين، أي إن المطلوب من الشاعر أن يقول كلمته التي يفترض أن تنحاز إلى الحق سواء أكانت هذه الكلمة بالشعر أم بالنثر . . مطلوب منه التعليق على ما يحدث، وألا يتخذ موقف الصمت إلى أن ينزل عليه شيطان الشعر في وادي عبقر .
مرة واحدة فعلها الشعراء في انتفاضة الحجارة في فلسطين خلال ثمانينات القرن الماضي بما يشبه جبهة شعرية كانت تغني للحجر الفلسطيني الذي للأسف نراه اليوم جامداً وملقى على قارعة الطريق بعدما تم الالتفاف على الانتفاضة وإجهاضها رويداً رويداً، لتتحول ثورة الفلسطينيين إلى سلطة تتسوّل السلام وتتخلى نهائياً عن فكرة المقاومة، هذه الفكرة التي باتت مادة أرشيفية اليوم وملغاة نهائياً من “أجندات” وجوه سياسية فلسطينية أدخلت مصطلح الثروة إلى الحياة السياسية بدلاً من الثورة، أو مما كان يسمى الكفاح المسلح ضد العدو الصهيوني .
هذه اللغة الفلسطينية أصبحت اليوم في حكم المبنى إلى المجهول، أما المعلوم الوحيد الذي يعرفه بعض السياسيين الفلسطينيين، فهو التفاوض والتفاهمات والاتفاقيات، وهي لغة التباسية لا يفهمها لا الشاعر ولا الناثر، كما لا يفهمها الشارع ولا رصيف الشارع .
الذين يتولّون التعليق على الحدث سواء أكان تاريخياً أم أقل من تاريخي هم سياسيون بكامل أناقتهم الدبلوماسية وإعلاميون هم ظلال وأبواق لهذا النوع من السياسيين، أما الشعراء فيكتفون بالمكان الثالث الصامت إلى حين هبوط وحي الشعر .
ماذا لو اندلعت انتفاضة اليوم في فلسطين؟ . . كيف يمكن التصدي لها وبأي أدوات وبأي سلاح؟ ثم لو حدث ذلك وهو لن يحدث طالما تحولت السلطة إلى نظام، ماذا سيقول الشعراء خصوصاً شعراء فلسطين الذين يعيشون وسط شعب ملآن ب”البوعزيزيين” الغلابى جوعاً وعطشاً وسياسة وانقساماً وإهمالاً وبرودة أعصاب؟
الشعر موقف، وعندما يفقد جوهره ومحتواه يتحول أيضاً إلى سلطة باردة الأعصاب .






رد مع اقتباس