الخائف والمطمئن
يوسف أبو لوز
* دار الخليـج
أخطر ما يطلقه بعض المراقبين الذين يتولون التعليق على وقائع سياسية فارقة في حركة التاريخ هو الجزم بأن هذه الوقائع هي الأكبر وهي الأخيرة وهي الأخطر وأنه لم يأت مثلها من قبل، كما لن يأتي مثلها من بعد، وكأن هؤلاء المراقبين والمعلّقين على الحدث الذي يرونه تاريخياً قد قرأوا التاريخ كله بدءاً من تراجيدياته الأولى وحتى الكوميديا المضحكة والساخرة في التاريخ الحديث .
الجزم أو القطع بأن الحدث الشعبي أو السياسي أو الاجتماعي هو الأول والأخير حكم غير صحيح، فالشعوب تتغير وتتجدد، وما كان نهائياً وأخيراً في حرب طروادة على سبيل المثال والتي دوّنها هوميروس بوقائع سردية يشيب لها الرأس كانت في زمانها بالنسبة إلى تلك البيئة نهائية وأخيرة، لكن التاريخ كما يُقال دائماً يشبه النهر الذي لا يتوقف، وهكذا، وبعد شلالات الدم الطويلة التي جرت على الأرض كما تجري الأنهار، وبعد ملايين القتلى والجرحى والأسرى الذين قدّموا أنفسهم قرابين من أجل فكرة تدور في أذهانهم في تلك الأزمنة القديمة ظهرت أنهار أخرى من الدم في زمن الحركات السياسية التي غيّرت وجه أوروبا بكامله، ولم يحدث ذلك في الغرب وحده بل حدث ذلك في آسيا وإفريقيا، وما كان يُعتقد أنه نهائي وأخير اتضح أنه يستمر في التاريخ، ويبدأ من جديد، وكأنه لا نهايات أخيرة أبداً لما تقوم به الشعوب من وقت إلى آخر طالما أن على هذه الأرض ما يستحق الحياة بحسب محمود درويش .
والحياة إذا تم وضعها في سياق التاريخ وأشواق الناس الذين يأخذون على عاتقهم تحرير التاريخ من شوائبه واصفراره فعلاً تستحق المجد .
في أرشيف التاريخ الذي يتعلق باطلاق أحكام جزمية أو قطعية حول حركات شعوب لن تقوم لها قائمة بعدما تم إجهاضها واختطافها بسرعة أو ببطء كانت النتيجة النهائية عكس ذلك، فقد يغمض الإنسان العادي عينه وهو خائف وجائع وحتى جبان . . ولكنه لا يمكن أن ينام .
يجلس دائماً إلى جوار الخائف شخص آخر مطمئن وواثق من نفسه، ولكن في لحظة صغيرة تشبه البرق ينقلب السحر على الساحر .
الجائع لا ينام . .






رد مع اقتباس
