صناعة الأصوليات والشخصنة
خيري منصور
* دار الخليــج
قبل أن يصبح مطارداً من الدوائر الصهيونية ويسقط في غيبوبة، كان روجيه جارودي قد ألف كتاباً اعتبره النقاد الغربيون سباحة ضد التيار وهو أن الأصوليات بمختلف أنماطها صناعة أوروبية بامتياز رغم أن الأطروحة المضادة لهذه والتي سعى الغرب إلى بثها عبر ميديا موجهة هي أن الإسلام هو حاضنة الأصوليات والإرهاب . ومن هذا المنطلق جاء مصطلح الإسلاموفوبيا ليعبر عن مخاوف أوروبية وأمريكية مبالغ فيها . وما قيل عن الأصوليات يجب أن يقال الآن بالجرأة ذاتها عن الشخصنة، فهي صفة ألصقت بالعالم الثالث وبالعرب على وجه التحديد .
ما سمعناه وشاهدناه هذا الأسبوع من تصريحات وتعليقات من مختلف عوام أوروبا وواشنطن يدفعنا إلى الاعتقاد بأن الشخصنة هي أيضاً صناعة أوروبية، وإن كان لا بد من أمثلة فلنبدأ من باحث استراتيجي أمريكي حاول تفسير موقف الرئيس أوباما من أحداث مصر . . يقول إن أوباما عاش صباه في إندونيسيا في فترة سوهارتو التي كان فيها الحكم شمولياً، وحفظ في ذاكرته مشاهد من تلك الفترة، لهذا فهو ينظر الآن إلى ما يحدث في مصر بدافع شخصي من تلك المشاهدات .
أين الإدارة الأمريكية إذاً؟ وما يقال عن ثوابتها الاستراتيجية إزاء بعض القضايا الشرق أوسطية على الأقل؟ وأين هو البنتاغون وال “سي . آي . إيه” من هذه الذكريات الشخصية للرئيس؟
والمثال الآخر هو التحول المفاجئ في موقف الرئيس الفرنسي ساركوزي، فقد قيل إنه فعل ذلك كي لا يتكرر تردده إزاء أحداث تونس وكأن موقف رئيس جمهورية بحجم فرنسا يتخذ مواقف في ضوء معيار شخصي، بحيث يريد أن يصحح موقفاً سابقاً يخص تونس بموقف لاحق يخص مصر .
إن هذا التهوين هو إهانة بالغة للذكاء، فالناس ليسوا أسماكاً تنتظر شباكاً لاصطيادها بهذه السهولة، والموقف الأمريكي بدءاً من تشيلي وإيران قبل تونس بزمن طويل لم يكن مرتهناً لأمزجة الرؤساء والجنرالات، وإن كان هناك ثابت أمريكي فهو هذا التخلي الفوري عن حلفاء الأمس، لأن أمريكا لا يوجد في معاجمها الاستراتيجية وما بعد الاستراتيجية مواقف أخلاقية أو عاطفية، ومفردات مثل الوفاء وإغاثة الحليف هي من مقتنيات المتاحف ضمن سلالة من الأدوات والمفردات الرومانسية الآفلة .
وهناك مثال ثالث قد يكون الأكثر إثارة للسخرية وهو صمت نتنياهو عن الأحداث في مصر غداة اندلاعها، ثم مطالبته لوزرائه وبالتحديد الأكثر راديكالية وتطرفاً منهم بالصمت، كي لا تسهم تصريحاتهم في تصعيد وتيرة الحراك في مصر .
الموقف الصهيوني مما يجري في مصر أو اليمن أو لبنان إضافة إلى العراق وتونس لا يرتبط بهذا الراديكالي من طراز ليبرمان أو ذلك المعتدل من طراز لا نعرفه .
اللجوء إلى الشخصنة باعتبارها احتياطياً استراتيجياً لعبة دبلوماسية، سواء بدأت في واشنطن أو انتهت في تل أبيب .
فالرؤساء الأمريكيون لا يتخذون مواقف بالغة الخطورة والتعقيد خصوصاً في الشرق الأوسط بناء على ذكريات الصبا أو الأهواء الشخصية .
ويبدو أن المصنع التاريخي والإيديولوجي الذي أنتج الأصوليات وأعدها للتصدير هو ذاته ما أنتج الشخصنة المعدة للتصدير فقط .






رد مع اقتباس