نحو نور الشمس

مرعي الحليان

* البيــان






في هذا الوقت العصيب صار الحديث عن أوضاع الشباب في الوطن العربي موضة ملحة، ليست باختيار ولكن لأن الحديث صار على أرض الواقع يدق أسافينه فيهز ما تكلس وتصلف في الجماجم الهرمة.. تلك التي ظلت لسنوات طويلة موانع تدفع الريح بعيداً فتكرس السكون والثبات. الآن فقط تطفو على السطح معضلة التفكير في قطاع كبير تم إقصاء التركيز عليه لصالح قضايا وظواهر عولج واقعها على انه الأهم في سلم الأولويات.

ولأن (العيال كبرت) فقد تبدل اتجاه البوصلة ولكن يبدو أن هذا يحدث في وقت متأخر، فهذه البوصلة كان لها أن تزيح مؤشرها إلى الاتجاه الصحيح قبل هذا الوقت بكثير. وكان بإمكانها أن تأخذ الجميع إلى طرق فيها تشرق الشموس في شكلها الطبيعي، وتنمو فيها الأحلام خارج أسيجة الظلام، كان بإمكان هذه البوصلة أن تشرف بنا على نواصي وموانئ وبقاع، تحمل فيها هذا الوطن الذي ناء بهمومه إلى اشراقات جديدة.. كان هذا سيحدث لو أن البوصلة ذهبت باتجاهها بأمر الطبيعة، لا بأسلوب التربية التقليدية. شباب الوطن العربي في كل بقعة من بقاع الوطن الكبير يعاني الإشكالات والهموم ذاتها، وبرغم عشرات الصفحات في تقارير التنمية البشرية في الوطن العربي التي أفردت لقضايا هذا القطاع، والتي أتاحت فرصة باكرة لتأمل حالة المأزوم.. تلك الصفحات، للأسف، لم تستطع إغراء أحد، ولو من باب الفضول، على تأملها تأملاً دقيقاً، فكانت شعلة النار التي تبدو مدفونة تحت الرماد تكبر في ذلك الهدوء المصطنع. وفرت تلك التقارير السنوية إحصاءات مذهلة عن واقع مرير يعيشه الشباب العربي، وفي الوقت نفسه، كان الفارق يتسع بين بوصلة الشباب وبوصلة أصحاب القرار الذين بدو وكأنهم يتجاهلون ذلك الفارق وتلك الحقائق التي تحكي عن المرارة.

لم يكبر الأولاد فجأة، ولم يحدث ذلك كنوع من السحر، وإنما هي الصيرورة الطبيعية للحياة، فبينما تنغلق الأبواب والنوافذ تحت مفهوم التحصين، كانت التكنولوجيا تفتح نوافذها وأبوابها الواسعة تحت مفهوم الوعي. ومنذ أن انطلقت الشبكة العنكبوتية في ربط العالم وجعله مكاناً صغيراً يسهل التجوال فيه، ظهر عصر أفول السيادة، وانتفاء الموانع والسواتر الزائفة.. قيل وقتها لا سر بعد اليوم، لا مخبوء، ولا مغلق لغاية في السرية، لن تكون هناك مؤامرات خلف الأبواب الموصدة، وستكشف المعلوماتية ما خبأته القبضة الحديدة بين أصابعها.. قيل هذا منذ أكثر من عقدين. لكن الربابة ما برحت تجر موالها القديم وكأن الزمن توقف عندها.

يعاني الشباب العربي في الوطن من الشتات والتهميش والركن والركل، ومن غياب المساحات والحاضنات التي تحقق الأحلام وتتبنى الطموحات، وبينما عربة الشباب تستمر في مسيرها بسرعتها العنفوانية، يفضل البعض أن تتكلس الأشياء في مكانها لتصنع الحجب والحواجز. هذا بلا شك يولد الصدم لا محالة. وهو الأمر الطبيعي لبدء دورة الحياة من جديد. انه الانعتاق من الطوق البائد، انه الذهاب نحو نور الشمس.