لو كان الشيخ إمام حياً
شوقي بزيع
* دار الخليــج
لا يكاد المرء يصدق عينيه وهو يرى الفصول الأخيرة من المشهد العربي الذي كان لأسابيع خلت راكداً ركود المستنقعات ومملوءاً بالصقيع والصمت مثل قبور الموتى . ذلك المشهد البائس الذي أسقطنا لعقود ثلاثة في وهدة القنوط والخيبة وفقدان الأمل ينقلب الآن رأساً على عقب، وتتدفق كأنهار عارمة من الغضب، تلك الشعوب التي حسبناها في ذروة انكسارنا ويأسنا قد فقدت آخر صلاتها بالتمرد والرفض والانقلاب على السائد . كأن ما يجري اليوم في الوطن العربي يؤكد مقولة المستشرق غوستاف لوبون إن الزمن العربي يختلف تمام الاختلاف عن الزمن الغربي المنتظم في وتائره ونموه وتحولاته ويبدو بشكل، أو بآخر شبيهاً بالصحراء التي تستسلم كثبانها إلى رقاد طويل شبيه بالموت ثم ما تلبث تحت ضربات عاصفة عاتية أن تنقلب على جغرافيتها الساكنة وتتحول إلى غابة من الغبار والرمال المتحركة .
ليس غريباً تبعاً لذلك أن يعلن أحد الشعراء قبل أيام بأنه شديد الاغتباط لكون الموت لم يداهمه قبل أن يكحل عينيه بالمشهد الأسطوري لشعبي تونس ومصر، وهما ينتزعان مصيرهما من قبضة اليأس والفقر والقهر ويعيدان الاعتبار لفكرة الحرية التي أصبحت منذ زمن طويل خارج القاموس العربي المتداول، ولقد ذكرني ما كتبه عباس بيضون في جريدة “السفير” اللبنانية بما كتبه الشاعر الإنجليزي روبرت بروك وهو يتجول وسط إحدى الحدائق الغناء حين أعلن بفرح غامر: “إنها لطبيعة ساحرة حقاً حتى ليفتقد الإنسان الموتى!” . ذلك أن بروك في ذروة انبهاره بالجمال الذي يحيط به شعر فجأة بوحدته وأحس بحاجته إلى من يشاركه الاحتفاء بفتنة العالم وسحره الخلاب، وأسف أشد الأسف لأن بين الذين ماتوا من كان سينتشي طرباً بذلك الربيع المبهر .
وإذا كانت مثل هذه الأمنية تنطبق على أبي القاسم الشابي الذي لم يتح له أن يرى حصاد نشيده الشهير على أرض تونس الخضراء، فهي في الحالة المصرية تنطبق على الشيخ إمام الذي حمل مع صديقه الشاعر أحمد فؤاد نجم الشعلة المبكرة التي أتاحت لشعبه فرصة العبور من الظلام المهيمن إلى رحاب الأمل وفضاء التنوير . فقبل أكثر من أربعين عاماً بدت أغنيات الشيخ إمام انعكاساً بالغ العفوية للروح المصرية المغلوبة على أمرها والمثخنة بالفقر والقهر والتهميش . على أن تلك الروح لم تكن مقبلة من الفراغ المطبق، بل كانت تسند ظهرها إلى باقة من الأسلاف تتوزع بين الترتيل القرآني والابتهالات الصوفية، وألحان سيد درويش وأغنيات التراث الشعبي بشقيه الريفي والمديني، واللافت في الأمر أن الثنائي إمام - نجم استطاعا لفترة غير قليلة أن يشكلا الأنموذج الثقافي النضالي لحركة اليسار الجديد ولكل أولئك الذين راحوا بعد هزيمة حزيران يتمردون على السائد السياسي والأدبي والفني والاجتماعي، كما استطاع هذا الثنائي أن يجد له موقعاً متقدماً ومغايراً بين ثنائيات عربية مماثلة كما كان حال الماغوط ودريد لحام أو الرحبانيين وفيروز، باعتبار أن الأخوين رحباني كانا يعاملان من قبل الجمهور العربي معاملة الشخص الواحد .
لم يبق أحد في حقبة السعبينات من القرن الفائت إلا وردد مع الشيخ إمام أغنياته الطالعة من أحشاء الحارة المصرية “مصر يمه يا بهية”، و”غيفارا مات”، و”رجعوا التلامذة”، و”وآه يا عبد الودود”، و”دولا مين”، وعشرات من الأناشيد والأهازيج والموشحات والأغنيات المضمخة بروائح التعب والكد والفقر والعرق والسخط على واقع مصر المزري الذي يتحكم في تسنم مقاديره حفنة من المتسلطين ورجال الأعمال الفاسدين .
ومع ذلك فسرعان ما أخلت مرحلة النهوض تلك أماكنها لنوع من الخرس والإحباط والإخلاد إلى اليأس، وبخاصة بعد سقوط المعسكر الاشتراكي وتربع النموذج الأمريكي الغربي سيداً على العالم، وفي ظل ذلك الوضع الجديد وما استتبعه من شعور النظام العربي بقدر من السكينة والأمان لا حدود لاستتبابهما الظاهر بدت تجربة الشيخ إمام وكأنها تعود إلى زمن آخر منسي فيما طفت على سطح المرحلة ثقافة الأندية الليلية .
لم يقدر للشيخ إمام الذي أغمض عينيه قبل سنوات عديدة أن يرى أغنياته الجميلة والصادقة وهي تهدر عالياً في سماء مصر ترددها آلاف الحناجر الظامئة إلى الحرية والخبز والكرامة الإنسانية . والشيخ الذي قضى نحبه محبطاً وجائعاً ومتخاصماً مع توأمه الأقرب أحمد فؤاد نجم لا يعلم الآن أن زرعه قد أتى أكله، وأن مصر التي عجز عن استنهاضها في حياته تنهض بعد موته كإعصار من الغضب لا حدود لتريجعاته ووعوده المستحقة.






رد مع اقتباس