درب الآلام
يوسف أبو لوز
* دار الخليــج
لو كان الروائي الروسي ألكس تولوستوي يعرف أن روايته “دروب الآلام” يمكن أن تقرأ بطريقة جديدة، وقد مر عليها أكثر من تسعين عاماً، هي قرن الحربين الأولى والثانية واشتقاقاتهما من حروب فرعية، لكان تمنى العيش كأولئك الذين يعمرون في الحياة لكي يروا بأعينهم المفتوحة كيف تتحول الامبراطوريات إلى أطلال، ليس بطريقة دموية، إنما بطريقة حدسية يفعل فيها الإبداع الروائي والشعري والفني فعله العميق من دون استخدام العنف حتى في اللغة .
العنف دائماً أداة الضعيف لأنه يحتمي بالقوة، والقوة نفسها تضعف وتتراجع فهي لها عمر افتراضي، والعنف نفسه بوصفه طريقة للقضاء على الآخر يشبه رجلاً يمشي في طريق تهطل عليه الأمطار فيحتمي بمظلة، فإذا زادت قوة المطر تهتكت المظلة .
العنف في الحياة وفي الحب وفي الشعر وفي السياسة يفقد تلك المظلة، وفيما يبدأ الشعراء في رسم صورة عن دروب الآلام التي تمر بها الشعوب وهي تراوح بين ضعفها وقوتها يبدو كما لو أن الفنون التي ينتجها الضعفاء في وجه الأقوياء تأخذ في الإعلان عن صيغتها الإبداعية بأساليب أشبه بالرسائل التي بلا مرسلين ولا مستقبلين، كأن الحياة كلها فعلاً دروب آلام .
يقول الشاعر الإيراني سهراب سبهري :
“عندما مات أبي كل الشرطة كانوا شعراء”
كتب سبهري هذه القصيدة في الثلاثينات من القرن الماضي، عندما مات أبوه أمام عينيه، ولكن الشعر لا ينتقم بالمسدس، وإنما يأخذ ثأره باللغة، ذلك الثأر الذي يأخذه الكتاب والمبدعون والفنانون بسيف الكتابة .
هل للكتابة سيف؟
إذا عدنا إلى التاريخ بهدوء، نعرف أن الرواية هي تدوين للألم، وأن الشعر توثيق للحروب وحتى للحب، ونعرف أن الموسيقا هي صوت الإنسان في أقصى نشوته ومرحه وعشقه لبني الإنسان، وأن الغناء هو تلك العفوية التي تنادي حب الحياة .
إذا عدنا إلى التاريخ بهدوء نعرف أن الكتابة هي المحمل الذي ينقل الإنسان إلى ذاكرته كي لا ينسى، وأن دروب الآلام مازالت مفتوحة حتى لو أغلقها الأقوياء في وجه الضعفاء .






رد مع اقتباس