د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد
كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي
لم تشهد الأمة العربية خصوصاً والعالمية عموماً، فوضى كما تشهد هذه الأيام، فالأمم تتسابق لخلق الفوضى المفسدة المكدرة المعلقة
،فوضى يعدي بعضها بعضاً، ويتسابقون إلى جحيمها كما تتسابق الفراش إلى النار، ويصدق عليهم وصف الإمعية الوارد في قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: «لا تكونوا إمعة، تقولون: إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا»، مع أنه نفّر من ذلك وأرشد إلى الذي هو خير بقوله: «ولكن وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا فلا تظلموا»، ومع ذلك يتسابقون إلى الفساد العريض في الأرض بإقلاق المجتمعات وترويع الآمينين {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ. أَلَا إِنهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ}
نعم لا يشعرون أنهم يقلقون المجتمعات، ويتسببون في إزهاق الأرواح البريئة، ويروعون النفوس المطمئنة، ويوقفون عجلة التنمية، ويخدمون أجندة خارجية تود للأمة العنت، وتود لو تكفر الأمة كما كفروا فيكونون سواء في دركات الجحيم والضلال المبين. إنه لا ينكر أحد أن هناك مظالم واستبداداً ومصادرة للحريات في بعض الدول التي تشهد هذه الفوضى.. ولكن هل يمكن أن نعالج هذه الأخطاء بأخطاء قاتلة، بحجة أنه لابد للحرية من ثمن، وأن ثمن الحرية أقل من ثمن العبودية كما يرددون؟
إننا أمة مسلمة نقول صباحاً ومساء{أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلهِ} ونقول: {قُلْ إِن صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلهِ رَب الْعَالَمِينَ}.
ومعنى ذلك: أن أزِنَ تصرفاتي بميزان الشرع الذي يهدي للتي هي أقوم، فيعطي الناس الحق في طلب العدالة من غير وكس ولا شطط، وذلك بالنصح الصادق، والدعاء الخالص، واللين في القول، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومنع الظالمين من التسلط بعدم التستر عليهم أو تهيئة المجال لهم.. فكل ذلك يحقق للناس مرادهم في ما ينشدون من خير، وما يريدون دفعه من ضير، لا بالتخريب المتعمد، والعصيان المسلح الذي يدعو إليه المفسدون في الأرض. فمن المسؤول عن إزهاق النفس التي حرم الله؟ من المسؤول عن إضاعة حقوق الضعفاء من عمال وأُجراء؟ من المسؤول عن تدمير الممتلكات؟ ومن المسؤول عن وقف عجلة التنمية؟ أليس أولئك الذين دعوا إلى فتن هي نائمة، وهي أشد من القتل ذاته؟ ولا أدل على ذلك مما ترى أنه كلما تحقق لأصحاب هذه الفتن من مطالب نهموا في مطالب أخرى ليستمر مسلسل الفتن إلى ما لا نهاية، فمن يذكي مثل هذه الفتن؟ أليس في أولئك رجل رشيد ينظر إلى مآلات الأمور الفاسدة الفاتكة قبل أن يقدموا على علالة من أوهام، وحطام زهيد أو دراهم معدودة لعلها لا تسمن ولا تغني من جوع!
وكأني ببعض هذه الشعوب التي اختارت هذه الفوضى لتلك الحجج الآنفة ستخرج في تالي يومها بالحجج نفسها التي لا مفر منها؛ لأن مواردها محدودة، فلا يمكن أن تمطر عليها السماء ذهباً أو فضة لينقلب حال الناس إلى ما يطمحون من عاجلة وزهرة الحياة الدنيا الفانية، وتناسوا التوجيه النبوي: «انظروا إلى من أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم ـ يعني في الدنيا ـ فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم»، أفلا يزن الناس الأمور بموازين العقل الرشيد والنظر السديد؟






رد مع اقتباس
