اختزال العرب في نفطهم
خيري منصور
* دار الخليــج
لم يكن النفط الذي سموه الذهب الأسود قد أخرج من باطن الجغرافيا العربية عندما تمددت الكولونيالية الغربية نحو هذه الجغرافيا . بدءاً من الشمال الإفريقي ومصر حتى بلاد الشام والسائل الوحيد الذي كان يتردد اسمه على نحو اصطلاحي في تلك الحقبة هو المياه الدافئة . وحين غزت بريطانيا مصر عام 1882 لم تكن تحلم بالنفط في باطن الأرض المصرية، بل اخترعت ذرائع منها تسديد الديون الخديوية، وقد يكون عام 1908 هو العام الحاسم في التوجه إلى الذهب الأسود لأن تشرتشل أعلن في ذلك العام ما سماه “بَتْرلة” الأسطول الإنجليزي، ولم تكف الميديا طيلة قرن عن اختزال العرب في النفط، فالحروب بسببه، والتدخلات العسكرية من أجله، وكأن العرب لا يملكون غير دم الأرض هذا .
رغم أن صحراءهم التي تطفو عليه عاشت قروناً من غيره، والجمل الذي تحول إلى موضوع كاريكاتوري ساخر في الصحافة الاستشراقية، كان ذات يوم أداة نقل الحضارة، ولم يكن مثله كمثل الحمار الذي حُمّل أسفاراً .
النفط رغم أهميته، وحاجة العالم إليه إلى أن يعثر على بديل، ليس أهم ما لدى العرب وبمقياس ما قد يكون أقل ما لديهم . فتاريخهم ليس مكتوباً بالزيت، بل بدمائهم ولديهم ذاكرة وطنية أو ما يسمى “الناراتيف” التي يترجمها العرب السردية القومية ما يحسدهم عليه الكثيرون .
إن اختزال الجغرافيا العربية إلى نفط فقط هو تطاول سافر على شعوب عاشت تاريخها بفضل ما امتلكت من الاستحقاقات، ولو سئلت الصحراء بكل ما تعني من دلالات ممهورة بإيقاع رسولي عن أغلى ما لديها، لقدمت قائمة طويلة من الممتلكات قد يأتي النفط في آخرها .
نعرف أن هناك حروباً حدثت في التاريخ لأسباب قد تبدو طريفة في أيامنا، ومنها حروب الملح عندما شحّ، وقد تكون حروب الماء حلقة أخرى قادمة بسبب شحته أيضاً، لكن علاقات الغرب مع الشرق ومنه العرب مرّت بمراحل عديدة، وعرفت حروباً دينية، وأخرى توسعية بحثاً عن مجالات حيوية .
لقد أصبح الغرب يستفزنا بإلحاحه الدائم على كوننا كعرب مجرد نفط ولا شيء آخر .
والحقيقة أنّ من يفرط في مثل هذا الإلحاح والاختزال لحضارات عريقة وشعوب، هو كائن مَنْفوط بامتياز ويعاني من فوبيا نفطية بسبب حاجته الملحة بدءاً من التصنيع حتى التدفئة .
إن بإمكان من اختزل العرب بالنفط أن يقطف وردة من صحرائهم بعد أن أورق وبرعم فيها الرّمل، وبإمكانه أيضاً أن يقرأ ما لم يسمع به في ترجمات ألف ليلة ومصباح علاء الدين، عن علماء ورحالة وقادة احتفظ الرمل رغم ذاكرته الرّخوة ببصماتهم .
لسناً نفطاً فقط، ولسنا أيضاً مجرد مواقع وثُغور على تخوم هذه الإمبراطورية أو تلك، فنحن أمة قلّ نظيرها في امتلاك القواسم التاريخية والثقافية والحضارية المشتركة، لأننا لم نمنح حتى الآن للمتنبي والجاحظ وجابر بن حيان وابن خلدون جوازات سفر تحول دون دخولهم إلى هذه المدرسة أو الجامعة أو تلك من بلادنا، لم نصل بعد إلى الاختلاف حول نصب المفعول به وجرّ المجرور، ولم نذهب إلى جراحين كي يكشطوا البشرة السمراء والوشم عن جلودنا، ولم نرطن حتى الآن بأسمائنا .
لدينا، كعرب، الكثير غير النفط، فإن كان هو دم الأرض المعتق من عذابات تحولاتها الجيولوجية، فإن ما يفيض من وجداننا الإنساني والقومي هو دم آخر تعتق آلافاً من السنين .






رد مع اقتباس