رسالة إلى إدوارد سعيد

يوسف أبو لــوز

* دار الخليــج







السلام على روحك في مثواها الأخير .

القدس التي خرجت منها صبياً، وظلت مزروعة في كيانك الثقافي كله مازالت على حالها، سوى “القليل” من الحصار الذي يأخذ شكل سياسة السلحفاة، ببطء شديد، وقضم أشد، ولو كنت على قيد الحياة، والأعمار بيد الله، لخرجت إلى شرفة منزلك كي تملأ رئتيك بالمزيد من الهواء قبل أن تختنق وأنت تقرأ شريطاً إخبارياً عاجلاً يقول إن الرئيس الفلسطيني دان عملية في مدينة المدائن سقط فيها نحو 30 جريحاً، ولم يفتح الرئيس فمه بكلمة واحدة وهو يرى - عبر نظارة عينيه المكبرة - أطفالاً يموتون بالرصاص الحي في غزة، والمسافة الزمنية بين “الحادثتين” ليست أكثر من أسبوع، والأسبوع الواحد لا يمكن أن يلغي الذاكرة .

السلام على روحك في مثواها الأخير .

ماذا كنت ستكتب لو كنت حياً وأنت ترى أخباراً عاجلة عن رجل من بني جلدتك، يريد ترقيص قطاع البرتقال والسمك القليل والضعيف على “الوحدة ونص” وهو بكامل بنائه العضلي والسياسي بصورة توحي بأنه لم يقرأ حتى ولو كتاباً واحداً من تلك الكتب التي سهرت على إنجازها وتغذيتها من دماغك . . هذا الدماغ الذي لم يتوقف عن التفكير والتحليل حتى وهو يتفتت بفعل المرض .

طوال حياتك لم تكن مريضاً، بل مشرقاً مثل وجه طفل يحب اللعب بالدمى في غياب والديه، وقد كنت كذلك، فلقد ذهبت إلى قراءة الغرب الذي عشت فيه سنوات طويلة من دون أن تفقد هويتك المقدسة كي تضع مرجعاً لا يُضاهى حتى اليوم في ثقافة “الاستشراق” .

السلام على روحك في مثواها الأخير .

ماذا كنت ستكتب لو كنت حياً عن شعوب تهتف وتنام وتأكل وتموت في الساحات العامة، من ساحة التحرير في القاهرة، إلى ساحة التغيير في صنعاء، إلى ساحة عبدالناصر، إلى ساحة بنغازي، إلى ساحة المرجة إلى ساحة اللؤلؤ والياسمين . . والبقية تأتي؟

مشهد شعبي حيوي، سيثير في قلبك الكتابة بقلم الشعر وليس قلم الفكر، لأن السرعة التي يتولاها الشارع العربي في مثل هذه المرحلة المذهلة تدعو إلى الوصف والتسجيل والتوثيق أكثر مما تدعو إلى التنظير .

السلام على روحك المقدسية الطاهرة .

فلم تكن منظّراً جافاً، ولم تكن تريد أن ترقص أحداً على “الوحدة ونص”، بل أنت في كل مكان وزمان إدوارد سعيد الذي نذر حياته للتغيير من القلب والعقل، لكنه لم يره في حياته .

السلام على رمادك الذي ذاب في قلب التراب .