لحظة بين وداع وانتظار
خيــري منصــور
* دار الخليــج
ما الذي يودعه العرب؟ وما الذي يتهيأون لاستقباله في حمّى هذا السجال الميداني والتراشق الذي بدأ بالحجارة والهراوات وانتهى إلى البنادق والمدافع؟
هل ما يودعونه هو ما انتهت صلاحيته وعلاه صدأ الزمان أم أن سيلهم الذي تجاوز الزبى وكيلهم الذي طفح لم يتركا متسعاً من الصبر والاحتمال؟
تتعدد الإجابات من لغة إلى لغة ومن خندق إلى آخر ومن مصلحة إلى مصلحة، فالقراءات الآن للمشهد العربي ليست موحّدة ولن تكون كذلك، ما دام لكل قيس أو مجنون ليلاه في هذا الليل الطويل؟
قد يكون من الأسهل علينا جميعاً رغم تفاوت الرؤى والقراءات أن نعرف ما الذي يودعه العرب الآن، لكن الأصعب هو ما الذي ينتظرونه بعد صمت وفراغ لابد منهما كجملة معترضة بين “نعم” قسْرية و”لا” تنفجر من الأعماق، فما تراكم من مديونيات التغيير واللحاق بالعصر هو حمولة باهظة، وليس مجرد أكياس ملح سوف تذوب وهم يقطعون نهر الدم كما في الحكاية؟
إن ما يبدو الآن أهدافاً أو شطآناً آمنة نسعى إلى بلوغها سيتحول فور الوصول إلى مجرد طريق أو وسيلة . فالحرية إن لم تجترح مجالها الحيوي تصبح عبئاً، ولهذا كتب عالم النفس إريك فروم مؤلفاً مكرساً للبحث عن أسباب الهروب من الحرية لدى من لا يستحقونها، والديمقراطية ليست وثناً أو أيقونة، إنها أيضاً منجز مدني وإنساني إن لم يجد مجاله الحيوي للممارسة يأكل نفسه .
فماذا أعدّ عرب التغيير والتخطي ليومهم القادم؟ هل سيفكرون بالأساليب ذاتها بحيث يعاد إنتاج القديم بأثواب جديدة ومطرزة بالمصطلحات الفوسفورية الخاطفة للأبصار؟ أم أن جدلية التغيير سوف تفرز كيمياءها وثقافتها بحيث لا تتكرر كوميديا الأخطاء . وتراجيديا الارتهان والشلل الوطني؟
يصعب علينا أن نحدد الطرف الذي أصبحت الكرة تتدحرج باتجاه مرماه، لأن اختصار الحراك الآن بأن ينسب جملة وتفصيلاً إلى الشباب الغاضب يحتاج إلى قليل من التأمل، لأن هناك جموعاً غفيرة من البشر ومن مختلف الأعمار ومن الجنسين أيضاً هي التي تشارك في الوداع وتتهيأ أيضاً للقادم، ففي الماضي غير البعيد، أي قبل بضعة قرون، كانت الطبقة الوسطى العربية هي حاضنة التفريخ لكل حراك، بدءاً من الثورات والأدب والفنون حتى الناشطين، لكن هذه الطبقة أصبحت مجرد فلولٍ بعد أن أوشكت شمسها على الغروب، وكان لابد أن يكون لها وريث اجتماعي وسياسي شاءت جملة أسباب وحيثيات أن يكون هذا الوريث هو الشباب، ومعظمهم من طلاب الجامعات أو الخريجين الجدد الذين يستخدمون آخر منجزات التكنولوجيا لمقاومة تخلّف يَتَشبث بأدواته البدائية، وهذا ما يفسر عدم التكافؤ في حرب ثقافية بين أطراف يعاد وضع شرعياتها على المحك .
فالقوة قد تطيل أعمار من يحتكرونها لبعض الوقت، لكنها ليست ضمانة لإدامة البقاء، وأحياناً تتحول إلى نقطة ضعف أو ما يسمى عقب آخيل لمن يعاني من فائضها، بحيث ينقلب السحر على الساحر، ويتحول من كان للتو سبباً وجيهاً للانتصار إلى سبب أكثر وجاهة للهزيمة والاندحار .
إن ما يجري الآن عربياً وعلى اختلاف درجات الحرارة السياسية والإضاءة لخشبات المسرح له بعد ثقافي بامتياز، لأن ما يتغير ليس أشخاصاً أو رموزاً بقدر ما هو مفاهيم لم تعد تتمتع بالمعَصْومية، بل أصبحت مسجّاة على طاولة التشريح بعد أن مكثت زمناً في غرفة العناية المركزة .
كم يخيفنا أن نستقبل مرة أخرى ما ودعناه .






رد مع اقتباس