التشكيلي عبدالرحيم سالم:
العمل الفني وليد التلقائية
حبه للفن كان دافعه لعشق الرسم، الذي رسّخه تشكيلياً مؤثراً في مسيرة الفن الإماراتي، وصاحب تجربة ذات خصوصية، بشهادة العديد من النقاد، هو عبدالرحيم سالم، صاحب “مهيرة” التي يؤكد أنها كانت دافعه للابتكار والتجديد، في هذا الحوار الذي يذهب بعيداً، نحو البدايات، نطل على مسيرة سالم التي مرت في أكثر من مرحلة، اتكأت على الموروث البيئي في مراحلها الأولى، وأصبحت تجربة ثرية تفتح آفاقاً واسعة من روح المغامرة وتطرح الأسئلة وتثير المشاهد، وتذهب بعيداً في ملامستها للأفكار والقضايا العالمية .
يتحدث سالم عن الموروث البيئي و”مهيرة” التي ترافقه حتى الآن، ويناقش المدارس الفنية الحديثة، ويعلق على تجربة الجيل الجديد من التشكيليين الإماراتيين، ويرصد بعضاً من إشكاليات الفن والتلقي، كما نقف وإياه على تطور تجربته، ورؤيته الفنية التي تتوق إلى التحديث والمغامرة .
استلهمت التراث في مراحلك الفنية المبكرة، هل لا يزال التراث يستفزك فنياً، وما التحول الذي حصل في نظرتك إليه؟
ما زلت أتناول التراث، لكن، بنظرة جديدة، فقد بدأت المرحلة الأولى بعد التخرج بأعمال انطباعية وأخرى واقعية، وهي مرحلة لإثبات الذات وتعريف الآخرين بي، وفي مرحلة لاحقة فكرت ملياً بضرورة التميز، وأن أنجز أعمالاً ذات خصوصية، تختلف عن أعمال الآخرين مع الإبقاء على التراث، فعالجت اللوحة من خلال الشكل واللون، فدخلت في المدرسة المستقبلية، باستخدام الخطوط والألوان، وكل خط في اللوحة يمثل زمناً مفترضاً، أما الإضاءة فتمثل أبعاد اللوحة، وتجلى ذلك في معرض “قلم رصاص” في جمعية الإمارات للفنون التشكيلية عام ،1993 بعد ذلك دخلت في مرحلة “الباستيل” وكان اللون أكثر ديناميكية، أما في عام 1994 فتناولت موضوع “مهيرة” وهذا ساعدني على أن أنقل البيئة التراثية بمنظور جديد ومختلف .
تقوم التعبيرية الجديدة على تجاوز الاتجاهات، كيف تعمل اليوم من خلال هذا الفضاء التعبيري المفتوح؟
التعبيرية الجديدة تقوم على إبراز حركة الشخوص في اللوحة مع إضفاء الألوان الحادة، وقد حاولت ترجمة هذا الاتجاه في لوحات تمزج بين رؤيتي القديمة مع خطوط أكثر جرأة وقوة، فبدا واضحاً ملمح الشخوص والكتل من خلال الخط والتكوين، ومن يتابع أعمالي يلحظ تلك الخطوط المستمرة ذات الإيقاع الزمني المستمر أيضاً .
شكّلت شخصية “مهيرة” ثيمة رئيسة في تاريخك الفني، كيف تقرأ هذه الشخصية في ظل تحولاتك كفنان؟
مهيرة لا تزال موجودة كإيحاء داخلي، يشدني للتعبير عنها، فقد تلاشت تلك المباشرة التي عبرت عن تلك الشخصية لمصلحة الفكرة والموضوع، وأنا تفاعلت معها في المرحلة السابقة كإنسانة أحببتها، هذا الحب لا يزال مستمراً ولكن بصورة أخرى .
الفن يبتكر الحياة ويمنحها عمقاً وشاعرية ما تعليقك على ذلك؟
الفن هو انعكاس لكل التداعيات التي تلخص تجربة الفنان الحياتية وما يختزن في داخله من مشاعر وثقافة ورؤية، فالفن يضيف إلى المعرفة الإنسانية حياة أفضل وشاعرية متجددة، ومنطلق الشعر هو نفسه منطلق الفن، والشعر والفن يبغيان كشف معالم جديدة ومستقبل أكثر أماناً وحرية .
هل تمارس الفن بناء على خطة مسبقة، أم أن الأفكار تتناسل تباعاً أثناء إنجاز اللوحة؟
العمل الفني بالنسبة لي هو وليد التلقائية، والتحضير غالباً ما يشوّه الفكرة التي أريد أن أتماهى معها، هناك اسكتشات كثيرة أقوم برسمها تدور حول أفكار عديدة، ولكنها تظل مجرد مشاريع عمل غير منجزة، وبعبارة أصح هي “سكتشات” للتمرين اليومي، و”السكتش” يحاصر الفنان أو يقيده بفكرة واحدة، أما فكرة العمل وصيغته النهائية، فهي بلا شك نتاج الفكرة التي تختمر أثناء انهماكي في الرسم، حتى الألوان والخطوط المقترحة، فهي مستنبطة من واقع وأجواء اللوحة، أحياناً يكون لدي تصور مسبق عن التكوين العام للوحة من حيث اللون والحركة، لكنّ هذا ليس ثابتاً، وقد لا يكون متطابقاً مع ما ينجز في المراحل النهائية للوحة .
وفي كثير من الأعمال التي أنجزها تتحول اللوحة إلى فكرة جديدة تطرح أسئلتها على المشاهد كل حسب تلقيه وذائقته .
في أعمالك هامش كبير من التأويل؟
كل الأعمال الفنية بلا استثناء، تنبني على رؤية الفنان، وليس على رؤية المشاهد، وقد تنعكس هذه الرؤية، لمصلحة الفنان وهذا شيء حسن، وفي أحيان أخرى تنعكس الرؤية ضده، وقد سبق أن طرحت رؤية ما في لوحات كثيرة، فهمها الآخرون كما يحلو لهم، وفي كل الأحيان فإن الرؤية الفنية تخص الفنان وحده، وأنا أعتقد أننا في الوطن العربي نعاني من مشكلة البحث عن مفاتيح للعمل، وهذا من وجهة نظري يعتبر ضد الفن بالمطلق، فهم في الأعمال التجريدية على سبيل المثال يبحثون عن الأنف أو العين أو الطائر وغيرها من الثيمات، فيؤلونها وفق تصورات مختلفة، قد لا تتطابق بالضرورة مع منطلقات الفنان أو أفكاره، وعلى كل حال، فإن الفن بوصفه عالماً متداخلاً يحتمل الكثير من الأفكار والرؤى والهواجس، إنما يعبر عن حالة خاصة تطرح العام بوصفه تجربة ذاتية تعكس ثقافة الفنان وبالتالي له مطلق الحرية في التعبير كما ينبغي، وبناء على تلك الوصفة السحرية التي تتداخل فيها الخطوط والألوان والتكوينات، التي تتصارع مع أفكار الفنان على سطح اللوحة .
في أعمالك استحضار لثنائيات “الموت والحياة” و”الحضور والغياب” وغيرها؟
مثل تلك الثنائيات تخضع في محصلتها النهائية للفكرة التي أحاول تجسيدها في اللوحة، وأنا أسميها “اللعبة” وإذا استطعت أن ألعبها بشكل جيد، أكون قد اقتربت من الحياة أكثر من الموت، والشيء نفسه في ما يتعلق بمسألة الحضور والغياب، خذ على سبيل المثال موضوع “مهيرة” قد تكون هي الموت، وأنا أحاول استعادتها في الحياة، أمنحها حضوراً جديداً وبهاء يعادل المستقبل والحياة .
هذه نظرة تفاؤلية، كيف تنسجم مع تلك الرسومات بالأسود والأبيض، والتي انعكست في وجدان البعض بمسحة تشاؤمية؟
الأمر يعود لمسألة التلقي التي أشرت إليها سابقاً، وحقيقة الأمر أنني كنت أعيش لحظات متفائلة، فلا تشاؤم عندي على الإطلاق، ثمة قراءات نمطية للون الأسود عند كثير من الناس، وهذه ترتبط بكثير من المعتقدات، وأنا لدي قراءاتي الخاصة في هذه المسائل، وبالقطع فإن استخدام اللون الأسود في أعمالي يخضع لرؤية تعيد صياغة الفكرة التي أعمل عليها، كذلك الأمر في ما يخص “مهيرة” التي استعدتها بناء على قراءة جديدة .
في عالم تطغى عليه الأنانية والمصالح الخاصة، هل أنت قادر على المقاومة؟
أحاول تجديد نفسي من خلال الفن، والتعبير الفني انعكاس لما يجري في الواقع، بطبيعة الحال أنت لا تستطيع تغيير الناس والأمزجة، ومسألة تغيير الواقع هي مسألة صعبة، فالأنانية والفردانية وحب التملك والسيطرة، هي صفات من طبائع البشر، وقراءة الواقع كما هو وبمثل ما أشرت إليه سابقاً، يدفع المرء إلى الاستسلام والرضوخ، وأنا أقاوم مثل هذا الشيء بالعمل، ومن خلال اختباره في مساحة الرؤيا، وضخ جرعات كبيرة من الحلم والحب الشاعرية، وأيضاً الجدل، وهذه محفزات كبيرة تشعل فتيل العقل وتحثه على التفكير واليقظة .
ماذا بعد “مهيرة”؟
“مهيرة” حاضرة في كثير من التعبيرات الفنية التي استخدمتها في أعمال لاحقة، هذه التعبيرات حملت شكل الأنثى في صور مغايرة، وهناك أعداد لا حصر لها من النساء، يمكن تتبعها في الخطوط، وفي أحيان كثيرة تتلاشى هذه الدلالات لمصلحة اللون، أما مهيرة فباقية في داخلي وتنعكس في ثيمات الخط واللون والإيقاع والحضور الجديد .
كيف تنظر إلى الطروحات الفنية الجديدة في الإمارات وما حسب على مدرسة الفن المعاصر، من تجارب “الفيديو آرت” والعروض الأدائية من رقمية وأيضاً تلاشي اللوحة المسندية؟
بالنسبة لي، أنظر إلى اللوحة باعتبارها ركيزة ثابتة في العمل الفني، وهذا لا يعني أني أختلف مع التجارب الأخرى التي اتجهت نحو فنون “الفيديو آرت” والرقمية وغيرها، فأنا مع الحداثة الفنية، بغض النظر إذا كانت حداثة تجريدية أو واقعية أو غيرها، المهم في اعتقادي أن يحمل العمل رؤية وموضوعاً، وأن تشعر وأنت تتابع العمل أن ثمة فكرة تتم مناقشتها بصرف النظر عن الشكل المتبع، فالأفكار في محصلتها الأخيرة هي التي ترسم صورة العمل، وإذا أردنا مناقشة الحداثة فيجب أن نكون مقتنعين، بأنها منطلق فني يجب احترامه، ويعبر عن أفكار معاصرة، تعكس الحالة الخاصة لمنتج العمل، وهذه الأعمال قدمت الكثير للحركة الفنية، وفي الإمارات على سبيل المثال يمكن الإشارة لتجربة بينالي الشارقة، الذي يعتبر مختبراً للأعمال المعاصرة، فقد بدأ فنانو الإمارات هذه التجربة، وكانت هناك أعمال فرضت نفسها على المتلقي وبعضها تبنى المدرسة “المفاهيمية” وأخرى انطلقت من واقع اللوحة المسندية، وغيرها من الاتجاهات والمذاهب .
ولكن، كيف ترد على من يتهم الاتجاهات الفنية المعاصرة بالتغريب، وأنها لا تناسب مجتمعاتنا الشرقية؟
هذا الطرح يحتاج لمناقشة واعية، فالفنون التشكيلية من مدارس واتجاهات، هي فنون غربية أصلاً، ونحن نتعاطى هذه الفنون لأن ثمة إحساساً إنسانياً مشتركاً، لا يليق أن نقسمه إلى شرقي أو غربي، فنحن نعيش في عالم واحد، ويمكن لأي فنان عربي أن يستخدم أسلوباً عالمياً ويطرح من خلاله الكثير من الموضوعات والأفكار المحلية أو التراثية والبيئية، برؤية محلقة ووعي جديد .
التجربة الفنية التشكيلية الشبابية، كيف تقيّمها هنا في الإمارات؟
هي ظاهرة تستحق الوقوف عندها واحترامها والتفاعل معها ومؤازرتها، هي الآن في طور التجريب والتجديد والبحث عن الذات والتميز، بعضهم يحتاج إلى وقت طويل ليبلور تجربة خاصة به، بسبب افتقاره إلى التجربة والمعايشة، وأعتقد أننا لا نستطيع الحكم على هذه التجربة الآن، فبعض هؤلاء الشباب لم يصلوا بعد إلى مرحلة التجسيد الحقيقي للأفكار التي يعبرون عنها .
في الإمارت سوق رائجة لتسويق الفنون؟
التسويق الفني جزء من سوق الفن الحديث، وهذه ظاهرة عالمية وليست محلية فقط، لك أن تشاهد في معرض “آرت دبي” مثلاً الكثير من التجارب المتنوعة التي تناسب الأمزجة والتوجهات المختلفة، وهذا التنوع يثري المشهد التشكيلي ويوسّع من دائرة العلاقة بين منتج اللوحة والمتلقي، فلندع الأفكار تتجاور، ولنترك للمشاهد حرية الانحياز للمكان الذي يناسبه .
في أعمالك الجديدة تركيز على فكرة الجسد، ما دلالة الجسد برأيك؟
استخدمت الجسد في أكثر من لوحة ومؤخراً أنجزت واحدة بعنوان “استراحة الفارس” واستخدام الجسد وفضاء الجسد بالنسبة لي تعبير عن الطهارة، وقد يجسد واقعاً عربياً مأساوياً، وقد يحمل هماً بيئياً أو يعبر عن مرحلة من مراحل الواقع المعاش.






رد مع اقتباس