زِدْنــي جهــلاً !

خيــري منصــور

* القدس العربـــي







ما قبل الانترنت وسائر محاصيل التكنولوجيا، كان الكتاب بجسده ورائحة ورقه والطقوس المصاحبة لحمله واقتنائه وقراءته المصدر الوحيد للمعرفة رغم ان طباعته لم تكن يسيرة، ويذكر احد المؤرخين ان طباعة كتاب واحد على الجلد في زمن ما كانت تكلف قطيع عجول، ومن يدري، لعل الانسان يعود ذات يوم سواء بدافع النوستالجيا او الضجر الى عادات قديمة وأدوات ظنّ انها اصبحت من تقنيات المتاحف، فبعد ان انقرضت مهن من طراز النسّاج اليدوي او صانع الاحذية او من يشحذ السكاكين متجولا على عجلته ... عادت لكن بصورة اخرى، وان كانت تكلفة ما هو مصنوع يدويا وممهورا بعرق الأصابع اضعاف ما تنتجه المصانع من أشياء متماثلة وكأنها قطع غيار.

من كان يريد القراءة في تلك الأزمنة لم تكن المخطوطات اليدوية تعوقه، ومن الناس من كانوا ينسخون الكتاب بعد استعارته لبضعة أيام ومن كانوا يكتبون في درجة حرارة تتجاوز الخامسة والاربعين مئوية حسب تعبير الكاتب العراقي محمد خضيّر، قد لا يهمهم الان ان قورنت اعمالهم بأعمال من يكتبون في غرف مغلقة كالعلب المملوءة بالهواء المكيّف.

ولا نظن ان ديستويفسكي او تشيكوف او آخرين ممن اوقدوا الشموع على السطح المتجمد لنهر الفولغا يسمعون في قبورهم الاعلان المتلفز والكاريكاتوري عن جمهورية افلاطون دون ان يضحكوا حتى البكاء، فهذا الاعلان يقول ان العيب الوحيد في جمهورية افلاطون هو خلوّها من مكيفات الهواء، وقد لا نستغرب هذا اذا قرأنا ما كتبه الناقد سي.إس لويس عن شعراء يتقاضون اجورا عالية عن صياغتهم لإعلانات عن الاحذية الرياضية او عن نوع من الشامبو!

* * * * * * * *

ثلاثة أجيال او اكثر من العرب تدربوا على القراءة منذ بواكيرهم على سلاسل معرفية منها الملخص والمترجم والمؤلف، بدءا من سلسلة 'اقرأ' المصرية التي استلهمت اسمها من اول كلمة في القرآن وان كانت لا تبتعد ايضا عن القول المسيحي: في البدء كانت الكلمة. في تلك السلاسل كتب الرواد من مختلف اقطار العالم العربي في الأدب والفلسفة والتاريخ والفنون والجغرافيا والرحلات، وقد لا تخلو مكتبة مثقف من تلك السلاسل او بعضها، فمن لم تدركه او يدركها لا بد انه وجدها في مكتبة ابيه او احد اقاربه او معلميه، اما السلسلة الاخيرة التي اعقبت 'اقرأ' فهي 'زِدني علما'، والتي لخّصت وقدمت معظم الاعمال الانسانية الخالدة، ورغم ان الملخصات تلعب احيانا دورا في ايهام القارىء المتعجل بأنه انهى مهمته الا انها مفاتيح، واعتاب، تمهد لقراءات أوسع وأعمق بعد ذلك.. وبالأمس قررت قبل ان استذكر هذه السلاسل وهي عديدة، منها مثلا مشروع 'الألف كتاب' في مصر الستينيات، ان احصي على مدخل احد الاكشاك اكثر من ثلاثين مجلة، باهظة التكلفة الطباعية وورقها شديد الصقل بحيث تنزلق عنه العين، اما أغلفتها فهي خلاصة لكل ما فيها ... والفروق بينها لا تُذكر، فهي احيانا تتوقف عند اسم المجلة او من اصدرها او اسم من يديرها، لكن القواسم المشتركة هي الأساس، ومجرد القاء نظرة ولو افقية على فهارس الألبومات الملونة ترينا الى أي حدّ وصل التجهيل في أيامنا، فهي محررة خارج التاريخ والجغرافيا والمجتمعات وهواجس البشر، وتشبه حاضنات صناعية او ورقية لتفريخ أبطال ونجوم من ورق ليس مُقوى، بل هو اكثر هشاشة من ورقها ...

وتساءلت على الفور: أهذا ما تقرأه ربات البيوت والموظفون والشبان والباحثون عن متنفسات وهمية لسائر المكبوتات!

وحين علمت من البائع ان هذه السلالة الورقية هي الأكثر مبيعا رغم ارتفاع اسعارها بطل العجب، ولم أتردد في ان اقول له لماذا لا تضع يافطة او شعارا فوق هذه النباتات الزجاجية التي لا تعيش تحت الشمس هي: زدني جهلا، كرد قومي حاسم على سلسلتي 'اقرأ' و' زدني علما'!!!

* * * * * * * *

يتداول المثقفون العرب حكايات عن ضعف القراءة وندرة القراء في بلدانهم، بدءا مما قاله موشي ديان ذات يوم وهو ان احد رهانات الصهيونية استراتيجيا وقدر تعلق الأمر بالمعرفة، هو ان العرب لا يقرأون، وليس انتهاء بتقارير التنمية التي تصدر اقليميا ودوليا كل عام لتضع العرب في آخر قائمة القراء في هذا الكوكب، لكن هذا التداول للحكايات يبقى في نطاق التلذذ الماسوشي والسخرية من الذات وتقريعها، ويندر ان نجد مثقفين يأخذون المسألة على محمل الجد ويبحثون في جذور الظاهرة... في ستينيات القرن الماضي وهو العقد الفريد في العالم كله على صعيد التجريب والمغامرة الابداعية، سارع مثقفون عرب الى نبش هذه الظاهرة، ومنهم الراحل د . لويس عوض الذي قام بطرح عدد من الأسئلة على طلابه في الجامعة، ثم توصّل الى نتائج كارثية، وأذكر للمثال فقط سؤالا واحدا، هو هل تعرف ناغازاكي؟ ولم يكن قد مضى اكثر من عشرين عاما على الفضيحة النووية الاولى في ناغازاكي وهيروشيما، عندئذ صمت الطالب الجامعي في كلية الآداب لحظة، ثم اجاب بثقة: نعم اعرفها انها الراقصة نجاح زكي!!!

وأستطيع ان اجزم بأن د. عوض ردد في داخله ما أردده الان لكن علنا وهو 'اللهم زدني جهلا'، وبذلك يكون وفيا لما قاله المتنبي ذات يوم عن نعيم الجهل وجحيم المعرفة او ما قاله عبد الله بن محمد وهو: يا قوم عندما أرى ما أرى وأسمع ما اسمع اود لو انني شجرة فلتُقطع! او ما فعله ابو حيان التوحيدي عندما أحرق كتبه كي يقرأ العميان رمادها!

* * * * * * *

علينا ان لا نفاجأ اذا اصبح عدد من يكتبون في عالمنا العربي ضعف عدد قرائهم، والرصد لا يحتاج الى حاسوب ذكي أو غبي، ولدينا عينات ميدانية منها مثلا ان عدد حضور امسية شعرية يشارك فيها سبعة شعراء مثلا قد يقل عن هذا العدد، اما الاستثناءات التي يلوذ بها الباحثون عن سبل للفرار من مواجهة هذه الظاهرة فهي غالبا ما تكرس القاعدة! وبسبب فائض التجهيل واللامبالاة بما يحدث على هذا الهامش الثقافي المهمل من قبل الدول والناس معا، يجب ان لا نفاجأ بمحررين في صحف عربية هامشية يكتبون في نقد السينما والفن التشكيلي والفلسفة والرواية والشعر والمسرح والنحت والموسيقى بالحماس ذاته، مستلهمين أكبر ينبوع للحرية كما وصفه برتراند راسل ساخرا وهو ينبوع الجهل، فالمعرفة قيد وعبء وخجل، لأن من ولد بالقرب من ساقية او غدير لا يعفيه مسقط رأسه من جهل المحيطات والأنهار العظمى في الكوكب الذي يعيش فيه والذي هو في النهاية مسقط رؤوسنا جميعا!

وان كان لا بد من مثال آخر رغم وفرة الأمثلة والعفّة الشخصية عن سردها، فهو ردّ قدّمه جاهل يرتدي ريش الطاووس على مقالة ورد فيها اسم الفيلسوف هيدجر، وفلسفته المعروفة بالظاهراتية او الفينومونولوجيا، وقد بنى التعليق كله على خطأ مطبعي في المقالة بحيث اصبح اسم هيدجر (هتلر) واوشك هذا الشارب حتى الثمالة مما سماه برتراند رسل ينبوع الجهل ان يتهم كاتب المقالة بالنازية!

ان من تضرعوا الى الله ومن ثم الى خيرة عباده ان يزيدهم علما وجدوا انفسهم يصطلون في الجحيم... فليجربوا الان الباب الآخر وهو: زدني جهلا!!!!