باريس تأخذ أكثر مما تعطي
قصائد من الطاهر بن جلوّن
* دار الخليـج
الطاهر بن جلون . . . كاتب مغربي بارز يكتب بالفرنسية، معروف على نطاق عالمي واسع منذ تحصل في عام 1987 على جائزة جونكور الفرنسية المرموقة، وكذا بدوره الملتزم تجاه العنصرية “العنصرية كما شرحتها لابنتي” (1997) ومشكلات اندماج الأقليات وقضايا الإسلام، وبالأخص القضايا العربية، في فرنسا .
ولد ابن جلون في عام 1944 في مدينة فاس، غير أنه أمضى طفولته في طنجة . درس الفلسفة في الرباط . في عام ،1966 انقطعت دراسته لاعتقاله لثمانية عشر شهرا في معسكر عسكري . وفيه، بدأ الكتابة . درس في المدارس الثانوية في تطوان، ثم في الدار البيضاء حيث أسهم في الكتابة في مجلة “أنفاس”، التي كان يصدرها ويشرف على تحريرها عبد اللطيف اللعبي .
في عام ،1971 بعد تعريب التعليم في المغرب، استقر في باريس لكي يتابع دراساته السوسيولوجية . في بادئ الأمر، كانت النية مبيتة على الإقامة لثلاث سنوات، فقط لإنجاز أطروحة الحلقة الثالثة من الطب العقلي الاجتماعي حول الاضطرابات العقلية للمهاجرين تحت العلاج، بيد أنه سريعاً أنشأ يكتب: أصدر في عام 1972 أول مجموعاته الشعرية “ناس تحت كفن الصمت”، ثم تبعها بعد عام بروايته: “حارودة” . يكتب باستمرار في جريدة “لوموند” .
مع منحه جائزة جونكور عن روايته “الليلة المقدسة” في ،1987 أصبح ابن جلون المغربي الأكثر شهرة في فرنسا . اندمج في مشكلات المجتمع، على وجه الخصوص مشكلات الضواحي، العنصرية، واستدعى بذلك وضع المثقف الملتزم .
تناولت كتاباته ما يجرى في العالم: مشكلة الشيشان، مذابح الجزائر، المشكلة الفلسطينية . . وغيرها، بيد أنه لم يقترب من المغرب، وبالأخص سنوات الرصاص، في كتاباته طوال حياة الحسن الثاني، ما دعا الكثيرين إلى انتقاده لما أصدر كتابه حول ما جرى في معتقل تزمامارت: “هذا الغياب الأعمى للنور” .
ومن ناحية أخرى، رأى البعض أن في كتاباته إشارات إلى المجتمع المغربي، متعرضا إلى سلطة المال ونفوذه والإقطاع الفلاحي .
يزاوج نتاج الطاهر بن جلون الحكاية، الأسطورة، الطقوس المغربية الشعبية، خرافات الأجداد، تقبع ابتكاريته في فنه الذي يتناول كافة المظاهر والتقاليد والثقافة المغربية المتعايشة بفرادة مع الحياة اليومية ومشكلات المجتمع الحساسة . كتاباته تثير القلق بطرائقها وموضوعاتها المميزة، إذ إنها تتناول الموضوعات التابوهات أو الذوات المستبعدة من الكلام: طفولة منتهكة، مجنون مثل الحكيم، وصور أخرى عديدة تمثل عالم ابن جلون .
تبدع هذه الشخصيات، المدفوعة إلى الصمت أو اللا مبالاة، لغة ممنوعة، بعلاقتها بالجسد والجنسانية أو وضع المرأة . ما يثير غضب القارئ المحافظ، بقدر أنه يواجه شرك كتابة مشوشة: كتابة الومضة والانقطاع، التي تجعل من السرد مستحيلاً .
في الواقع، منذ رواياته الأولى، وبالأخص منذ “حارودة” (1973) و”موحا المجنون، موحا الحكيم” (1978)، نصطدم بالعنف الايروتيكي لمشهد الجسد الأنثوي، ولكن أيضاً بالكتابة المعقدة التي تغيم التأويل، ومع ذلك، مع “صلاة الغائب”(1981) و”طفل الرمال” (1985)، تستعيد روايات طاهر بن جلون خاصية هادئة، أكثر محافظة على مشهد الرواية التقليدية، مظهريا على الأقل .
حينما يرسم الربيع نهر السين
يستولي على الخافية والنعمة
هكذا ترتدي باريس النور
تعرض توابلها وأغانيها المتعددة الألوان .
***
عن حبها الضال ثم المستعاد
تنصب مرآة
تزهر ذكريات مجهولة
لأناس قدموا من بعيد .
***
باريس حديقة غير كاملة
مغطاة بملاءة فراغ الصبر
مزرعة زيتون أكلتها عبر المقابر
خرافة الفرح الراقد .
***
للمطر ذاكرته في هذه الجزيرة
يتململ في عناق المال
لذا تخطف رياح قوية
غاباتها وفقراءها .
***
بيد أن باريس تأخذ أكثر مما تعطي
هكذا
مدينة المأوى والمنفى
عاصمة القانون والعزلة
تندهش باريس: إلى أين مضى الأطفال؟
باريس 2
لا يكفي ألبتة كتلة من البيوت لكي نبني مدينة
يلزم وجوه وأشجار كرز
طيور السنونو الزرقاء وراقصات نحيلة
شاشة وصور تحكي التاريخ .
***
لا أطلال إلا لسماء مضغتها السحب
شارع وأجنحة مرسومة على الأشجار
أحجار وتماثيل تلاحق النور
وسيرك فقد موسيقيه .
***
صاغة يتناولون الربيع بأياد بلورية
على أرض البصمات لزمن بلا قسوة
سماط ومقاطع معروضة بعصير الرمان
أنها الشمس التي تزعج والرجال الذين يشربون .
***
مدينة لغز تستغويها المرايا
حدائق الأوراق ومنابع مياه بلا روح
فقط النساء الرومانسيات يعرفنها
ارتدت النساء النور والحلم .
***
معدنية ومتكبرة،
تؤرجح المدينة ذاكرتها
وهي تسقط الكتب والسخرية، الإشاعات والضحكات،
ونحن نجتازها كأننا خالدون .
مدن
1
مدينة
مدينة
المدينة
المدينة
سر في السر
خافية في الصمت
نفق في النور
علو دقيق للذكرى
ملتصقة بالمنارات .
2
النور يمزق الفخاخ المعلقة
الإشاعات تتردد:
شارع خلف شارع خندق
واد مأهول بالسكان
الليل يرد مفاتيح المدينة للفقراء
الحياة هروب نحو الضفاف التي تبتعد .
3
بعيدا عن اللازورد والشمس
مدينة تحفر خطوطا في الصخرة
حوائط تنفتح
أبواب تتراجع
المساء يتخلف في النكهة الحريفة
يد تدعوكم
إلى القيام بخطوات في العتمة
ثم النور فجأة .
4
لا غياب أقسى
من غياب الروح
روح خائرة القوى
بيت خال من متاعه
أحجار محفورة
وجه خامد كزهرة ميتة
آه! يا للغياب
هذه الحظوة الضائعة بين الحلم والنهار
حصاد الغبار والرمال
على الأقل
ضحكة بلا معنى .
5
الليل مسجل بقسوة الحلم
يهبط ببطء على الأحجار
تاركاً خلفه
آثار ألوان تناغم
الصخب والضحك .
6
هذه الأحجار المكسوة بالجير الحي
تعتم درجات الأبيض إلى الأزرق
التي غسلها المطر
فقدت ملمسها
شوهت النظرة
وهكذا رسم الأطفال عليها رحلات .
7
هذا النور الذي يبدع اللمعان
نجمة بائسة
تضع الأبيض على البرتقال والتفاح
تتردد بين الأزرق والأحمر
تحير التاجر
وتحيط رأسه بهالة
منيرة مشبوهة .
8
هذا المنزل تعتم في مياه النسيان
يحمل عبء المجد العتيق
حتى النور الضائع في أرجائه
هل هي السماء التي تسحقه من تعبها
أو ألم الإنسان الذي ينفي نفسه؟
9
الجمل ذو أربعة أسنمة
ليس سوى صورة
يسخر من القصاب والميزان والتلفاز
يمشي نحو نجمة
من البلاستيك الملصق على منزل البرد .
10
على شرفات المنازل العتيقة
تسهر النساء على ذكرى الرجال
ظل الفضيلة يربت على صحن دار الانتظار
عطر عتيق يطوف
رائحة حب سري مهانة .
11
مدينة
مدينة
كل كتاب حجر
قديم مثل الخرافات
كل شارع تاريخ
معقد أيضاً كما الليل
كل منزل رواية
قضمت الفئران صفحاتها .
12
أيتها الفتيات القابعات وراء الحوائط
ينابيع النور
براري الشعور الشقراء
تستنشق رائحة الكزبرة والجنزبيل
شذى الجنة والطحالب الجافة
أيتها الفرائس المهيبة
من النوم العظيم
ومن نهر الحلم الكبير
دعن زيت الآركان . . يعطركن .
13
هي ذي ساعة النوم العظيم
العياء المعذب
هذه الساعة التي تبتلع الليل
الحوائط بالكاد منيرة
والطرق معتمة
غير أن المدينة ميتة
الظهر للبحر
الصمت يرافق الرياح
حتى الأطفال لا يبكون .
14
القارب فقد أشياءه
صناديق ومقاعد
دخان ونور
سلم
لصعود الزمن
فوتيل لرؤية البحر
حصان غاضب
في ليل بلا نجمة واحدة .
15
هنا الشتاء يرتجف من نفاد الصبر
كثير من البيوت تنضح بنسغ عتيق
والليالي تهبط كما الحزن
مدينة
مدينة
مدينة حيث الذاكرة تنعس
في كتب التاريخ
في نظرة الشحاذين
تحت غبار السر .