موسى حوامدة يحتفي بـ «الربيع العربي» ويؤكد لفلسطين : «لم ننسك»

* الدستور الاردنيـة





«لغته عالية، وقصائده تحمل صوراً شعرية غرائبية، بعيدة عن كل ما يشوب اللغة من تقعرات»، هكذا بدأ الشاعر جميل أبو صبيح، تقديمه للزميل الشاعر موسى حوامدة، في أمسيته الشعرية التي تم تنظيمها ضمن فعالية (لقاء الأربعاء)، في رابطة الكتاب الأردنيين، واصفا إياه بالشاعر المتجلي الذي يحلق بالمخيلة إلى مداها من خلال قصائده المشبعة بالشعر التي تتسع للعالم.

ولم يكن الزميل حوامدة بعيدا عن هذا الوصف، وهو يعتلي المنصة ليقدم لجمهوره عددا من قصائده القديمة والجديدة، قصائد اختزلت تجربة الشاعر وقدمت صورة واضحة عنها، وهو أحد أبرز الشعراء المخلصين لقصيدة النثر في الأردن، لتمتد أصابع قصيدته لتترك بصمتها في خريطة الشعر العربي، اسما وتجربة وحضورا، من خلال قصيدته التي تحمل رؤيتها وموقفها من الحياة والناس.

الشاعر حوامدة، الذي أعلن في بداية الأمسية، أنه سيقرأ بلا ضوابط، رأى بعض الحاضرين أن مثل هذا القول لم يكن دقيقا، لأن الشاعر كان يختار قصائده بوعي مسبق ونسق متصل، فقد اختار قصيدة جديدة تتحدث عن ربيع الثورات العربية ليبدأ بها تلك اللحظة الشعرية، على سبيل التقديم، كما أشار، قصيدة حملت فلسطين في طياتها لتظل حاضرة في مقدمة ميادين الغضب العربي، ذاهبا للتأكيد باسم الضمير الجمعي أننا «لم ننسك.. ولم نتهاون في مديح الأكاذيب»، هذه الأكاذيب التي كشفت عورات الأنظمة وعيوبها في علاقتها مع فسطين الوطن والذاكرة، مقدما صورة متفائلة لما تشهده الشوارع العربية.

وفرضت «غزة» حضورها في قصيدة تتحدث عن الدم والبطولة حين قال «قتلانا كثيرون .. قتلانا جميلون»، مخاطبا غزة التي قدمت نموذجا من البطولة المعمدة بالدم من خلال اسمها الذي لا ينسى «سلام ايتها الحمراء كلون الدم فلسطين».

حوامدة الذي استذكر صديقه القاص الراحل محمد طمليه، لم يقدم له قصيدة رثاء بالمعنى التقليدي «حين يأتي الموت»، بل ذهب الى رثاء الموت نفسه، حين حاول انسنة هذا الموت، وكسر هالة القلق التي تحيط به، فالقصيدة لم تكن لطمليه وحده، بل كانت لنا جميعا.

وفي قصيدته «الوردة» قدم شيئا من سيرة الفتى حوامدة في تلك البلاد التي يحملها لبس في قصيدته فحسب، بل في داخله ايضا، وقد اشتركت مع قصيدة «الفراشات» بجوامع متعددة في محاولة فهم الحياة وفلسفتها، واستنطاق ساخر لمعادلة الحياة، اذ تقول الفراشات «لا تقتلنا الشرطة في الميادين»، اما قصيدة «انشغالات» فلم تقدم انشغالات الشاعر فقط، بل قدمت صورا عديدة من التاريخ والتراث والجغرافيا، محملة بالهموم التي تداخلت في قصائد الشاعر، الذي ذهب في قصيدته «قاطع طريق» لابراز الجانب الانساني لهذه الشخصية وتقديم اوجاعه التي تشبه اوجاعنا، ليتحول قاطع الطريق هذا في لحظة حاسمة الى سنبلة، وقد اخفت القصيدة الملامح البشعة لهذه الشخصية الذي صار قريبا منا، بل صار واحدا من اصدقائنا ايضا.

وفي قصيدته «غريبة عني حلب»، ذهب الشاعر الى تأكيد علاقته بجغرافيا المكان، سواء في سوريا او جوارها متل العراق، ليطلق سهام قصيدته في وجه من يحاولون بناء السدود الوهمية بين العشاق ومعشوقاتهم، قصيدة استنطقت التاريخ والجغرافيا معا، في اسقاط على الراهن السياسي، لتكون قصيده «سلالتي الريح وعنواني المطر»، بطاقة هوية انسانية، تكسر الحواجز بين بني البشر جميعا وتعلي دائما من شان الانسان، في رؤية فلسفية تبحث في جذور الحياة وتشابك العلاقات الانسانية بين الناس.

قصائد موسى حوامدة، وان اختلفت في تسميات عناوينها، الا انها اشتركت في مجموعة خطوط اكدت وحدة القصيدة، بل وحدة الرؤية في مجموعة هذه القصائد التي، ربما كان اختيارها مقصودا، فهي قصائد اتخذت من الوطن، بهمومه وتاريخه وجغرافيته، بسيرته الموغلة في الارض او سيرته المنظورة، مادة لها، مشفوعة برؤية فلسفية من الموت والحياة والعلاقات الانسانية، حملت معها موقفها، فهي قصائد لم تهوّم في الفراغ، كما يحلو لبعض منظري قصيدة النثر الترويج له، بل جاءت لتقدم وجبة مشتركة، من الشعر والموقف معا، وهو ما يبعد عنها قول «الغرائبية» التي وصفها به الشاعر ابو صبيح، لتكون قصائد قريبة للروح، ومشبعة بالحنين.