السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...
جاء الاسلام بنوره الوضاء وحقه المبين فأوقد في العقول مشاعل الهداية ، وأوجد في القلوب منابع الرحمة ، وأسس في النفوس نوازع الإيمان بأن الله كرم الانسان رجلاً كان أم امرأة ، وكلف الانسان رجلاً كان أم امرأة وسيحاسب يوم القيامة الانسان من دون تفريق بين الرجل والمرأة ..
أم المسلمين ..( هاجر زوجة إبراهيم عليه السلام ) ..
نشأت في بيت النبوة جارية لسيدتها سارة ، وكان أن أهدتها سيدتها إلى إبراهيم عليه السلام وأنجبت له سيدنا إسماعيل عليه السلام فامتحنها الله امتحانا قل من يرضخ له .. لكنها كانت على يقين أن الله عزوجل لن يضيعها هي وابنها .. فسكنت بطاح مكة ، حيث لاأنيس ولاخليل إلا هي وابنها في صحراء ليس فيها زرع ولاماء .. وأثابها الله بعد صبرها على ما أصابها نزولاً عند رغبة زوجها عليه السلام ...
نسبها ..
هي هاجر أم الذبيح إسماعيل بن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام ، ولقبت بأم المسلمين وورد ذكرها في القرآن الكريم حينما دعا سيدنا إبراهيم عليه السلام في قوله تعالى ( ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ) وقول الله تعالى على لسان إبراهيم ( من ذريتي ) يشمل امرأة إبراهيم عليه السلام التي أنجبت له ابنهما الأول إسماعيل عليه السلام ..
قصتها ...
كانت سارة تعلم برغبة إبراهيم عليه السلام في أن يصبح أباً ويكون له ولد يعينه في حياته ويرثه بعد مماته .وكانت لها جارية مصرية قبطية اسمها هاجر . فوهبتها له ، ليتزوجها عسى أن يتحقق له مايريد .. وهكذا حقق الله دعوة خليله إبراهيم عليه السلام وحملت هاجر ( فبشرناه بغلام حليم ) ، هو إسماعيل عليه السلام .
ولدت هاجر إسماعيل عليه السلام وإبراهيم عليه السلام في السادسة والثمانين من العمر ، وسارة قد بلغت سن اليأس من الانجاب ، فتعاظمت غيرة سارة ، وبات إبراهيم عليه السلام في حيرة من أمره ، كيف يستطيع التوفيق فيما بينهما وهو في هذا العمر شيخ كبير . وبدأ إبراهيم يناجي ربه ، ويطلب إليه أن يعينه ويساعده ، فبشره الله سبحانه بولدين آخرين تنجبهما سارة : ( فبشرناها بإسحاق ومن وراء اسحاق يعقوب ، قالت ياويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً إن هذا لشيء عجيب ، قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد ) (سورة هود 71- 73)
بعد خمس سنوات على ولادة إسماعيل عليه السلام أنجبت سارة إسحاق عليه السلام وهكذا صار لإبراهيم ولدان : إسماعيل من هاجر وإسحاق من سارة ، ولحكمة أرادها الله ، وتحاشياً لما يقع بين الزوجتين وولديهما من الخلاف والمشاحنات أمر الله سبحانه خليله إبراهيم عليه السلام أن يخرج بإسماعيل وأمه هاجر ويبتعد بهما عن سارة ،التي اغتمت كثيراً وثقل عليها أمر هاجر وولدها إسماعيل بعد أن صار لها ولداً .
بوادٍ غير ذي زرع ...
أذعن إبراهيم عليه السلام لأمر ربه ، فخرج بهاجر وابنها إسماعيل ، وهو لايدري إلى أين يأخذهما ، فكان كلما مر بمكان أعجبه فيه شجر ونخل وزرع قال : إلى ههنا يارب ؟ فيجيبه جبرائيل عليه السلام ..امض يا إبراهيم ..
وظل خليل الله وهاجر سائرين ، ومعهما ولدهما الرضيع إسماعيل حتى وصلوا إلى مكة ، حيث لازرع هناك ولاماء ، اللهم إلا دوحة ألقت عليها هاجر كساء كان بحوزتها ، ليظلهم من حر الشمس اللآهبة .
أراد إبراهيم أن يترك هاجر وولدها إسماعيل ، في ذلك المكان القاحل المقفر ،حيث لادار فيه ولا طعام فيه ولا شراب ، إلا كيس من التمر وقربة صغيرة فيها قليل من الماء كانوا قد حملوها معهم عند بدء رحلتهم ، فخافت هاجر على نفسها الجوع والعطش ، وعلى ولدها الهلاك ، فتعلقت بإبراهيم عليه السلام تريد ألا تتركه يذهب ، وراحت تسأله : إلى أين تذهب يا إبراهيم وتتركني وطفلي في هذا المكان الذي ليس فيه أنيس ، ولازرع ، ولا ماء ؟!
رق قلب إبراهيم عليه السلام وتحير في أمره ، ولكنه تذكر أمر الله له ، فماذا يفعل وهو إنما ينفذ ما أمره به ربه ؟
وأشاح بوجهه عنها .. ولكن هاجر ألحت بالسؤال ، وظل إبراهيم عليه السلام منصرفاً عنها يناجي ربه ..
ويأتي الجواب ، جازماً حاسماً لاتردد فيه ولا تراجع ك إن الله هو الذي أمرني بترككما في هذا المكان ، وهو لاشك سيكفيكما ..
لاذت أم إسماعيل بالصمت ، ورضخت هي الأخرى لما أراده الله ثم قالت : إذاً لايضيعنا ..
ورفع إبراهيم عليه السلام يديه بالدعاء متضرعاً إلى الله وهو يهم بالعودة ..(( ربنا إني أسكنت من ذريتي بوادٍ غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فأجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ))سورة هود – 71
ثم قفل عائداً إلى بلاد الشام حيث سارة ، وقلبه يهوي إلى مكة ، إلى ولده وفلذة كبده إسماعيل الرضيع ، ولا حيلة له إلا الدعاء والتضرع ..
نفد التمر والماء من بين يدي هاجر ، واشتدت حرارة القيظ فعطش الرضيع وطلب الماء ليشرب ، وراح يتلوى من الجوع والعطش فلم تعد هاجر تطيق رؤية طفلها على هذا الحال ، فراحت تنظر إليه وعيناها مغرورقتان بالدمع ، لاتدري ماذا تفعل ، أتترك وليدها يقضي جوعاً وعطشاً ؟؟
وقامت هاجر في الوادي في موضع السعي أيام الحج ، ونادت هناك : هل في الوادي من أنيس ، فلم يجبها أحد غير الصدى ..
بئر زمزم
انطلقت هاجر تبحث عن الماء في كل اتجاه ، وكان الصفا أقرب جبل إليها ، فصعدت عليه وراحت تنظر يمنة ويسرة وفي كل ناحية ، فلاح لها على المروة سراب ظنته ماءً ، نزلت عن الصفا وراحت تسعى مهرولة في الوادي باتجاه المروة ، وفي ظنها أنها ستجد الماء ، ولكم كانت خيبتها حينما لم تجد شيئاً . وهكذا في كل مرة ، حتى فعلت ذلك سبع مرات وطفلها لم يفارق مخيلتها ، ولم تكن تطيق أن يغيب عن ناظريها ، فلما كانت في المرة السابعة ، وقد اشتد بها العطش ، وأخذ منها التعب ، وأنهكها المسير من دون أن تعثر على الماء نظرت إلى طفلها والدموع تكاد تخرج من عينيها ، فإذا الماء ينبع من تحت قدميه ، فأتته مسرعة وراحت تجمع حوله الرمل وهي تقول زم زم ، ثم أخذت تعب من الماء حتى ارتوت وانحت على إسماعيل ترضعه ، فإذا بها تسمع صوتاً يقول لها : لاتخافي الضيعة ، فإن ها هنا سيكون بيت لله يبنيه هذا الغلام وأبوه ، فقري عيناً ، إن الله لايضيع أهله ..
(( أفئدة من الناس تهوي إليهم )) كانت قبيلة جرهم وهي إحدى أكبر القبائل العربية في ذلك الزمان مثلها مثل بقية القبائل العربية تجوب الأماكن بحثاً عن الماء والعشب ، وكانوا يقيمون في عرفات ، مما أتاح لهم أن يروا الطير تحوم فوق وادي مكة ، حيث انبجس الماء من بئر زمزم ‘ فعرفوا أن في ذلك الوادي ماء ، وبعثوا منهم من يتحقق في ذلك ، فجاؤوا إلى الوادي فرأوا هاجر وابنها إسماعيل ، وشاهدوا البئر المملوءة ماء ً فأعجبهم المكان ، فاقتربوا من هاجر وسألوها من تكون ؟
قصت هاجر عليهم قصتها ، فطلبوا منها أن تأذن لهم بالنزول قريباً منها ومن البئر ، فقالت لهم : سوف أستأذن لكم زوجي إبراهيم فإنه يتفقدنا بين الحين والحين ، ولما جاء إبراهيم ليرى إلام صار حال زوجته وابنه البكر إسماعيل عليه السلام سألته هاجر إن كان يأذن أن ينزل الجرهميون قريباً منها في وادي مكة ، فسر بذلك سروراً عظيماً وقد علم أن دعوته بدأت تتحقق ، فأذن لهم وجاءت رسل جرهم ليعرفوا الجواب ، فأعلمتهم هاجر أن زوجها أذن لهم بالنزول قريباً منها شرط ألا يكون لهم على الماء سلطان ، فعادوا إلى قومهم يخبرونهم ، ففرحوا بذلك ووافقوا . أقام الجرهميون قرب الماء ، فأنست بهم أم إسماعيل ، وقد منحوا إبنها كثيراً من المواشي .. وشب إسماعيل عليه السلام بين أبناء قبيلة جرهم كواحد منهم فتعلم منهم العربية ، وبلغ مبلغ الرجال ..
وفاتها ..
وتوفيت هاجر أم إسماعيل رضوان الله عليها ، فدفنها إسماعيل عليه السلام في مكة قرب البيت الحرام ، في المكان الذي يعرف اليوم بحجر إسماعيل ..





رد مع اقتباس



