تاريخ لا يقبل التقسيط
خيري منصـور
* دار الخليــج
ما كان ينبغي حدوثه بالتقسيط وإن كان غير مريح للنظم والشعوب خلال عدة عقود حدث على نحو انفجاري وبلا مقدمات إلا تلك التي كان يرصدها العارفون بشعاب التاريخ . لهذا لم تفلح محاولات حرق المراحل التي لجأت إليها بعض النظم، كأن تقدم من التنازلات القسرية خلال أسبوع ما كان يستغرق أعواماً، وإن كان هناك دروس يمكن استخلاصها من هذا الحراك أو القيامة السياسية في العالم العربي فإن أبلغ هذه الدروس هو مجابهة الواقع كما هو وليس المماطلة والمراوغة والتسويف لأن كل هذه المراوغات تحولت إلى مديونيات مطلوب سدادها فورياً، وبقرار من محكمة المحاكم كلها، وهي الناس .
وقد برهنت الشعوب في العالم كله وليس في النطاق العربي فقط على أنها استلهمت من ربها حكمة خالدة، بحيث تمهل هي الأخرى ولا تهمل، لكن لكل أجل كتاباً ولكل ليل فجره حتى لو نأى وأصبحت الديكة كلها خرساء .
المسألة كلها ترتهن لقراءة التاريخ ليس بهدف التسلية بل في العمق من أحداث قابلة للتأويل في كل زمان ومكان، فما يحدث الآن ليس صحيحاً القول إنه غير مسبوق، لأن الشعوب منذ تحولت إلى كيانات وتشكيلات بشرية متمدنة لم تعد قطعاناً تساس بالقوة أو بالعلف وحده، ولم تعد رعايا تستقبل ولا ترسل، وثمة من ينوبون عنها في التفكير والحلم وكل شيء باستثناء الموت لأن حصتها منه هي دائماً الأكبر . والنظم ذات الصلة بالتاريخ قراءة واعتباراً وتأويلاً قد لا تتورط بأقسى نمط من أمراض الأنيميا السياسية، التي يكون فيها فقر العدالة هو البديل لفقر الدم، لكن من تأخذهم العزة بالإثم، ويعصبون عيونهم ويسدون آذانهم بحيث لا يصغون لغير صدى هذيانهم يجدون أنفسهم على الحافة، بحيث لا يعود التدارك متاحاً، لأن الأوان قد فات .
حدث هذا مراراً في تاريخنا العربي وفي مختلف مراحله، خصوصاً تلك التي تصنف ضمن خانة الانحطاط، ولم يسلم تاريخ أمة في العالم من مثل هذه المصائر، أما الفارق بين من يعيد الأخطاء ويحولها إلى خطايا وبين من يعتبر ويتعلم ويؤمن بفلسفة الوقاية الأنجع من كل علاج هو أن الأول ينتحر ببطء وهو لا يعلم كما تفعل القطط التي تستمرئ عذوبة دمها حين تلحس مبرداً من حديد، بينما يوفر الثاني من خلال الدراية والوقاية على نفسه وغيره الكثير من الخسائر، لأنه لا يعتبر نفسه الاستثناء الوحيد في التاريخ، وهناك أكثر من مؤرخ معاصر احتكموا إلى هذه الرؤية وهم يحللون من ساد ومن باد ومن أكل نفسه ومن أبقى على سلالته في التاريخ، فالحاضر الآن سيصبح ماضياً بعد قليل، وما نسميه المستقبل سوف يقبل ويتحول إلى راهن لأن الزمن متحرك والثابت الوحيد فيه هو هذا الحراك . ومنذ شهدت أوروبا ثورات جذرية أعادت للفرد الإنساني اعتباره ودخلت إلى الحقبة المتمدنة، بدأ كل شيء يحدث بالتقسيط المريح، سواء في الحراك الديمقراطي أو تطوير العقد الاجتماعي الذي وضع جان جاك روسو مقدماته، وإن كانت وثيقة الماغناكرتا البريطانية قبل عدة قرون هي أولى المسودات لتلك المقدمات الحديثة نسبياً .
لقد ثبت ميدانياً وبالبرهان الفيزيائي لا التاريخ فقط أن العنف ينتج عنفاً مضاداً، وأن عملية حصار القط في زاوية مظلمة تحول هذا الكائن إلى نمر أو فهد لأنها تطلق فيه كل الممكنات الهاجعة في باطنه .
فهل سيعقب هذا الانفجار زمن آخر يكون إيقاع التطور والتغيير فيه هادئاً وبالتقسيط المريح؟





رد مع اقتباس