"أبطال" و"خونة"
مارلين سلوم
* دار الخليـج
من رش علينا الياسمين الدمشقي ففاح عطره من أوراقه وأشعاره غير نزار قباني؟ ومن أخذنا إلى الشام وحاراتها العتيقة غير مسلسلاتها التي رافقتنا منذ الطفولة فأضحكتنا وأبكتنا وعشنا معها أياماً جميلة؟
من منا لم يحفظ عن ظهر قلب كلمات بل جملاً من مسلسل “صح النوم”، ومن منا لم ينتظر مقالب غوار الطوشي و”المثقف المسكين” حسني البورازان؟ لقد سافرنا إلى الحواري الدمشقية الجميلة المحتفظة بهندستها المعمارية ونقوشها المميزة، بلا تذكرة سفر، وزرنا كل الأماكن فيها فأحببناها قبل أن تطأ أقدامنا سوريا، بفضل الدراما التي نهلت من الماضي وقدمته لنا في قوالب درامية بعضها تفوق في النجاح وبعضها الآخر اتكأ على نجاح غيره .
وبعد، كيف يقولون لنا اليوم والرياح تعصف بالبلد، ما شأنكم بسوريا وبما يحصل فيها وبأهلها وخصوصاً الفنانين السوريين، فأنتم أغراب؟ لماذا لم يسألنا هؤلاء قبل أن نقول كلمتنا في حق الفنانين السوريين وقبل أن يكتب المدونون تعليقاتهم حول ما يجري في البلد العربي، ويوم صفقنا لمسلسل “باب الحارة” في جزئه الأول واخترناه كأفضل عمل عربي، ما شأنكم به فهو مسلسل سوري ولا يحكي إلا عن الشام وأهلها؟ ولماذا لم نسمع “نغمة” التمييز سوى اليوم، ولماذا يريد البعض استخدام الهوية العربية كورقة يسقطونها أحياناً عن الفنانين السوريين وكل ما له علاقة بالفن ليحصروهم بالداخل السوري، وكأنهم مصرون على العزف على أوتار مكروهة، مثل الطائفية والعنصرية وزادوا عليها مؤخراً الخيانة؟
من يعترف بأن الفن لا هوية له، وبأنه رسالة غايتها الوصول إلى كل الناس بلا استثناء، ويفتخر بقدرته على منافسة أقوى الفنانين والأعمال العربية ويطمح إلى العالمية، عليه أن يعترف أيضاً بأن الجمهور واحد ويتابع ما يجري دائماً، ولا يمكن التلاعب به وتغييبه متى شاء هذا الطرف أو ذاك، ومن حقه أن يقول كلمته بكل محبة واحترام . من حقه مثلاً أن يشعر بحرقة على الانقسام الحاصل في صفوف الفنانين وأن يشمئز من نغمة التخوين التي تنتقل من بلد عربي إلى آخر، ويتبرع بإطلاقها فنانون بهدف التجريح بزملائهم وإغضاب جمهورهم منهم، لا لشيء إلا لأنهم وقفوا في الاتجاه المعاكس لهم .
ما يحصل يفرض علينا الكلام، وكل صاحب ضمير حي يأسف على انقسام الفنانين إلى “أبطال وحرامية” أو “أبطال” و”خونة” . فليس من المقبول أن يصل الخلاف السياسي أو “الوطني” إلى درجة اتهام أي طرف بخيانة الوطن والشعب، خصوصاً أن هذا المتَهَم من المؤكد أنه لا يقل وطنية عن زميله “المستقوي” بموقفه المؤيد للسلطة . ومن المؤسف أن يتم نبذ كل فنان شارك في البيان الذي طالب بفك الحصار عن درعا وهو ما عرف لاحقاً ب”بيان الحليب”، وأن يصدر بيان رسمي من المنتجين السوريين يعلنون فيه مقاطعتهم الممثلين الموقعين على بيان درعا واستبعادهم من أعمالهم، ومن بين الموقعين على البيان مخرجين أمثال نجدة أنزور، وشركات كبرى منها “سوريا الدولية” و”بانة” و”نجدة أنزور للإنتاج الفني” .
يعاقبونهم بقطع أرزاقهم وبنبذهم، وكأنهم يرجمونهم بالحجارة لارتكابهم فاحشة! أبهذه السهولة يسمح فنان لنفسه إطلاق الأحكام “الهدامة” على من يشاء من الزملاء؟ كنا نحسب أن أهل الفن على درجة كبيرة من الوعي والثقافة، وبأنهم “منفتحون ومتحررون زيادة عن اللازم” . لكن حين وصلت الموس إلى الذقون، اكتشفنا أن بعضهم لا يختلف عن العامل البسيط أو المواطن المحدود العلم والأفق، مع اختلاف أن الرجل البسيط معذور لأن جهله يحد تفكيره ويضيق صدره فلا يمكنه استيعاب أي موقف جديد وطارئ يواجهه، بينما المثقفون من كتاب ومخرجين وممثلين ملامون على تغليب العصبية على المنطق، وتفضيل السياسة على المسايسة .
هنا نتذكر المسلسل السوري “زمن العار” الذي تفوق على كثير من الأعمال الرمضانية قبل نحو عامين، لأنه أظهر أوجهاً عدة للعار وليس فقط الوجه المرتبط بالرذيلة، ونسألكم: أليس عاراً أن تندلع الحروب والشتائم والنبذ في دولنا العربية خصوصاً في مصر وسوريا، ليجد الفنان نفسه عاطلاً عن العمل بسبب موقف اتخذه ووقوفه مع السلطة أو ضدها؟ مع العلم أن في مصر لم يصل الأمر إلى حد إصدار بيان مشترك لمجموعة كبيرة من شركات الانتاج تعلن فيه صراحة “عدم التعامل مع المتخلفين عن الركب”، رغم نجاح الثورة وسقوط النظام ومؤيديه، فلم تجد مثلاً غادة عبد الرازق نفسها بلا عمل، ولم يسحب أحد منها أي دور تقوم به لشهر رمضان كما حصل مع الفنانة السورية كندة علوش!
ألا يؤلمنا أن نقرأ أن كندة علوش التي استطاعت بموهبتها أن تشارك في أعمال مصرية مثل من سبقوها من الفنانين السوريين إلى هناك، قد سحبوا منها دورها في مسلسل “الدبور” الجاري تصوير الجزء الثاني منه حالياً؟ والشتائم تكال ليارا صبري وزوجها ماهر صليبي بسبب مشاركتهما في “بيان الحليب”، وقد اخترق “الجيش الالكتروني السوري” (مجموعة من الهاكرز) موقعهما الالكتروني .
هل من المفترض أن نشهد حملات “تهجير فنية” كي تتطهر الأوطان من “المنبوذين”؟ وهل من المفترض أن يهاجر الفنانون السوريون “المنبوذون” إلى أحضان “الدراما التركية” في ظل إغلاق أبواب مصر في وجوههم وقلة الأعمال الفنية حالياً بسبب الأوضاع غير المستقرة؟
قد تكون الصورة ضبابية، والأحداث تفرض الكثير من الحذر في الكلام، كما تفرض التأني قبل التحرك، لكن ما هو واضح ومؤكد، أن الموقف الإنساني أياً كانت هويته يجب ألا يتم زجه ضمن صراعات سياسية ونزاعات سلطوية . والمؤكد أيضاً أن “الموضوعية” أصبحت من الماضي، أو بالأحرى أننا اكتشفنا أنها كلمة وهمية لا يمكن العمل بها في العالم العربي، سواء على الفضائيات أو في الفن، وغالبية من كانوا يرفعون شعارات “الوحدة والأخوة”، سقطت أقنعتهم ومارسوا عصبيتهم في أول امتحان حقيقي .





رد مع اقتباس