عبدالرحمن قطناني ينحت بشراً من الزنك
في عام 1983 كان مخيّم صبرا للاجئين الفلسطينيين في بيروت قد خرج توّاً من مذبحة “أرييل شارون” الذي اقتحم بجيشه العاصمة اللبنانية بيروت، وفي ذلك العام بالذات ولد عبدالرحمن قطناني، ولد في بيروت وفي مخيّم اللجوء بالذات، وهو ابن نازح ترك فلسطينه عام 1948 .
ذاكرة عبدالرحمن عن فلسطين كونها عن جدّه، أو عن الرجال الطاعنين بالسن، لكن ذاكرة المنفى تجذّرت فيه مباشرة، فهو العائش في هذا المكان المخنوق بالبشر، والمحاط بكل أنواع الموانع، والراسف على عسف ممارس حول الفلسطيني اللاجئ إلى قوة منسحقة، لا تملك في دنياها أي شيء سوى الحلم أو الموت دفاعاً عن أرض لم يولدوا بها، بل سمعوا عنها من الأجداد ومن بعض الآباء أحياناً .
فنان كان بطبيعته، يركب عناصر رغبته من المواد الجاهزة الملقاة أمام عينيه كمواد زائدة، ولأنه لا يملك مالاً يقتني به دراجة أو كرة، كان يركب هذه الدراجة من الحديد الذي يربطه بالمسامير الصدئة . ولكنه فنان درس وتخرّج يحمل دبلوماً بالنحت والرسم، فمن أين يأتي بالمواد والخامات التي ينفذ بها رغبة الفنان في اختراع الأشكال؟
إن العالم المحيط هو مساحة للفقر، ومكان تتكدّس فيه الأشياء المهملة التي استخدمت وانتهت كقوة أو كعنصر من عناصر الإدامة، لذلك مدّ يده إليها وراح يروّضها ويحوّلها إلى أشكال، وهنا يدخل هذا الفنان عالمه التجهيزي التركيبي الذي سيوصله إلى الإفصاح عن أشكال وموضوعات مفاجئة .
إذاً، من عالم الحاجة تتجهز خامات العمل، ومن عالم الإبداع يشتغل الفنان ليقصّ شخوصه من المواد الزنكية ويثبتها على أخشاب مقصوصة بمسامير عتيقة، فيما سيختار للتلوين العديد من قطع الألمنيوم الملون الذي سبق أن كان أدوات جاهزة للاستعمال اليومي .
يعلق هذا الفنان عند تأليفه للأشكال المكونة من بعدين مسطحين لوحة تعبيرية تحكي صورة عملية عن أطفال يلعبون بما بين أيديهم من أدوات لعب مبتكرة، فالأطفال الأربعة الذين يمسكون بالسياج الحديد، يفترض الفنان أنهم يمسكون قطعة طرية يستطيع أن يسقط فوقها الإنسان ولا يتأذى، إذ تستقبله بقدر من المرونة، إنه افتراض الذاكرة على حساب واقع صلابة وقساوة العناصر، لكن إذا كان قد قص البشر من المسطح الزنكي المضلّع، وثبتهم بمسامير على خشب مقصوص لكي يمنحهم حجماً نحتياً بارليافياً نافراً، فإنه يستطيع أن يؤول كل شيء حتماً .
إن الشكل البروفيلي الكامل في النحت غير المداري، هو حالة وسطى بين الرسم والنحت طبعاً، لكن عندما نوظّف هذا الشكل في موضوع متكامل نكون قد قدمنا اللغة التعبيرية على أي افتراض آخر، لذلك يضطر الفنان إلى البحث عن الموضوع الذي يدعم الإيقاع التعبيري العام، وهذا الأمر سيحول المعرض برمّته إلى حالة رسم خارج المسند أو حتى خارج (الشيفالية)، أي ملوانة الفنان، حيث الفنان في مثل هذه الحالة صانع ماهر ومركب يقترب قليلاً من تكوينات الفنون (المفاهيمية) إلى حد أوضح .
إن هذا المعرض المتكامل الأداء الذي أنجزه الفنان عبدالرحمن قطناني يطرح أمامنا سؤالين مهمين هما:
أولاً: هل التشكيل بكل مستوياته يخضع إلى مسطحات وخامات قيد التداول، أو أنه يمتلك كامل حرية التعامل مع كافة المسطحات والخامات الموجودة قيد الاستعمال؟
خلال الحرب العالمية الثانية وحسب ما كتبه من مذكرات شخصية، الرسام السوفييتي (سمير دياكوف) فإن فقدان الألوان وأقمشة الرسم، دفع بالفنانين الروس لأن يخترعوا مسطحات تصويرية جديدة مكوّنة من أخشاب البيوت المهدمة، ويرسموا بألوان ركّبوها من زيوت الآليات المحطّمة، ومن الأتربة، ومن العديد من المواد المتفحّمة، أما النحاتون فقد تناولوا صخور الكنائس المهدّمة ونحتوا عليها اشكالهم وموضوعاتهم الرائعة .
إن الحاجة تبيح كل شيء وتجعله صالحاً للاستعمال، تماماً كما فعل فناننا الذي مدّ يده الى هذا الزنك المستعمل أساساً لأبواب الدكاكين والمحلات .
ثانياً: هل أوصل الفنان قطناني صوته عبر فرادته الأدائية بشكل واضح ومؤثر؟
هنا نبدأ البحث عن إنجاز تراجيدي محوّلين الإنتاج التشكيلي الفني إلى نص أدبي فلسطيني آخر، وعبر تحكيمي في بينالي البحر المتوسط في الإسكندرية صادفت أعمالاً فلسطينية وردت ضمن المشاركة من رام الله كانت عبارة عن ثياب ملطّخة بدماء حقيقية، وقد خيطت على شكل خريطة فلسطينية، وقد فازت بإحدى الجوائز في فورة من العواطف .
من هنا علينا أن نفصل في هذا المعرض بالذات بين الوضع الذاتي الخاص للفنان، وبين الإنتاج سواء أنجز بالمواد المجانية الجاهزة، أو أنه أنجز قصداً بخامات مقصودة، لكي نصل الى لبّ الإنجاز العام للمعرض برمّته .
وهنا يقول لنا الموقف النقدي إن مشهدية البعدين التي أدّت إلى تقديم الأعمال بموضوعاتها، كقوة ذات حضور ارتدادي، كانت بحاجة إلى المزيد من العمل المشهدي، لكي يتمّ منحها قليلاً من المسافة بينها وبين جدار التعليق، فالظل الذي سوف يتكوّن كخلفية للأشكال، سوف يدفعها نحو الحركة المستمرة، ويعطيها فاعلية الحضور العابث أو الجاد، لأن الفنان الذي مارس عملية قص الأشكال وتثبيتها إنما كوّن العالم البعدي قبل أن يكون اللغة التعبيرية المتكاملة التي سعى إليها .
المعرض بعد كل ذلك يمتاز بالجرأة والفرادة، كما يمتاز بأهميته الشخصانية عطفاً على الفنان . ناهيك عن أن غاليري (أجيال) في بيروت . يكون بهذا المعرض قد قدّم نتاجاً مميزاً لفنان مثابر، ومشتغل على طاقته الذاتية بالشكل المطلوب .






رد مع اقتباس
