النتائج 1 إلى 1 من 1

الموضوع: رحيل الأبناء - باسمة يونس

العرض المتطور

المشاركة السابقة المشاركة السابقة   المشاركة التالية المشاركة التالية
  1. #1
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    رحيل الأبناء - باسمة يونس

    رحيل الأبناء

    باسمــة يونس

    * دار الخليــج





    قد يفاجئنا خبر رحيل أديب كنا نعرفه أو نسمع عنه أو نقرأ له، وكانت أعماله تمنحنا المتعة وتسهم في بث روح السعادة بيننا، فتهتز في القلوب سنبلة كانت مزروعة من كلماته، ويفرغ في المكان مقعد كان يملأه ولا ندري .


    وبعد وصول الخبر، تبدأ ضجة الرحيل تعلن عن نفسها، ويبدأ صخب التساؤلات عما إذا كان موتاً مفاجئاً أم رحلة مرض وعثرات خلال تلك الفترة، وكأن الإنسان يعاند الرحيل المباغت ويسأله عن السبب في اختيار روح كانت تملأ المكان فرحاً وحبوراً!


    وحينما يرحل الأدباء، حتى لو كانت وفاتهم طبيعية، فهم لا يرحلون بصمت، وإن كانت أبواب البيوت مغلقة عليهم، لكنها لم تخفهم عن العيون، وحتى لو كان رحيلهم قد جاء بعد فترة اختفاء من الأماكن التي اعتادوا أن يكونوا فيها أو حتى عن العيون التي كانت تلتقيهم وتراهم، لكن الرحيل نفسه يفتح أبواب الصدمة ويجعل من التساؤلات فضولاً ممتداً على شاطئ الدهشة .


    ورحيل الأدباء يختلف عن كل رحيل آخر، لأنه وإن كان صامتاً إلا أنه يترك خلفه ضجيج التساؤلات عما إذا كان الراحل قد نال ما تمناه في حياته، وعما إذا كانت الأيام قد أكرمته وبادلته نعمتها لقاء مواهبه، وعما إن كان قد حظي بتقدير لموهبته التي جاد الله بها عليه فأغدق منها على الناس من حوله وفي كل مكان حتى لو كان بعيداً عنه .


    ومع رحيل الأدباء، تنتهي مرحلة من مراحل الإبداع التي كان وجودهم جزءاً منها ولها أهمية كبرى في تعزيز الأدب الذي يتعاملون معه، ولا تثبت في الذاكرة سوى صورهم الأخيرة التي كانت متداولة بين الناس، ولا يبقى في المكان سوى ما تركوه من أعمال وذكريات وأمنيات تغص بحسرة الفراق كانت تأمل بلقاء نادر، ولم تحظ به لأي سبب كان .


    وكلما رحل أديب، تتجدد في الذاكرة لحظات الفراق، وينظر البقية إلى أنفسهم نظرة العائلة التي فقدت عضواً من أعضائها، فتندحر كل الخلافات إن كانت موجودة، وتغيب من اللحظة كل المواقف المسيئة أو السلبية التي كانت بينهم، ولا يبقى سوى شعور المرارة بخسارة فرد منهم واختفائه إلى الأبد والحكايات التي كانت تجوب العقول ولم يبق منها سوى آثار .


    ولا يخفى على أحد أن العمل في المجال الأدبي، أشق من أية مهنة أخرى، لأن الأديب يترك نفسه وما جادت به روحه وحكاياته وسيرته ورسائله مباحة للآخرين ولا يختفي معه سوى جسده، فتبدأ رحلة النبش في تلك الحياة، وكأن الموت قد فتح الخزائن المغلقة، وبدأ يخرج من الصناديق كنوز الفكر والمواقف والحكايات التي غابت عن العيون لكنها ظلت محفوظة في ذاكرة الأيام .


    رحيل الأدباء حياة أخرى، وإبداع جديد لا ينتهي بعد دفنه، بل يبدأ بعد غياب الجسد وتأجج الذكرى في المكان .
    التعديل الأخير تم بواسطة رذاذ عبدالله ; 19 - 6 - 2011 الساعة 05:00 AM

ضوابط المشاركة

  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • تستطيع إرفاق ملفات
  • تستطيع تعديل مشاركاتك
  •